(3)زواج المسلمة بغير المسلم - Middle East Transparent


(3)زواج المسلمة بغير المسلم

الاثنين 18 حزيران (يونيو) 2007

- أصحاب الموقف المحتشم

ينضوي عدد من روّاد عصر النهضة ضمن هذه المجموعة، إذ أنّ معالجتهم لقضية المرأة وإلحاحهم على المساواة بين الرجل والمرأة وعلى التربية والتعليم دفعتهم إلى الإقرار بأنّ المرجعيّة الفقهية لم تعد وحدها المهيمنة إذ أضحت تزاحمها مرجعية جديدة ينبغي أخذها بعين الاعتبار.

ولئن كان مصدر تحريم زواج المسلمة بغير المسلم لدى المجموعة الأولى هو النص القطعي الدلالة فإنّ المنضوين تحت المجموعة الثانية حرصوا على النفاذ إلى مقاصد الشريعة وسعوا إلى الاجتهاد. جاء في تفسير المنار: "ويحلّ الكتابيات تألفا لأهل الكتاب ليروا حسن معاملتنا وسهولة شريعتنا، وهذا إنّما يظهر بالتزوج منهم لأنّ الرجل صاحب الولاية والسلطة على المرأة ... وأمّا تزويجهم بالمؤمنات فلا تظهر منه مثل هذه الفائدة لأنّ المرأة أسيرة الرجل لاسيما في ملل ليس للنساء فيها من الحقوق ما أعطاهنّ الإسلام وأهل الكتاب وسائر الملل. كذلك فقد يصح أن يكون هذا هو المراد من النصين في السّورتين، وإذا قامت بعد ذلك أدلّة من السنة والإجماع، أو من التعليل الآتي على تحريم تزويج الكتابي بالمسلمة فلها حكمها لا عملا بالأصل، أو نصّ الكتاب بل عملا بهذه الأدلة."

إن ما يثير الانتباه في هذا الشاهد تفطن صاحبه إلى الفرق بين زواج المسلمة بالمشرك مثل وثني العرب الذي يعد محرّما بالنصّ، و زواجها بالكتابي الذي لم يرد بشأنه أي حكم. يقول رشيد رضا: "سكت هناك عن تزوج الكتابي بالمسلمة وقالوا: ورضيه الأستاذ الإمام إنّه على أصل المنع وأيده بالسنة والإجماع". فهل معنى ذلك أنّ ما سكت عنه الشارع حكمه الإباحة؟

يبدو أنّ علّة تحريم هذا النوع من الزواج تكمن في المنزلة التي كانت عليها المرأة آنذاك، يقول صاحب المنار في هذا الصدد: "فإنّه [الزوج] بما له من السلطان عليها وبما يغلب عليها من الجهل والضعف في بيان ما تعلم لا يسهل عليها أن تقنعه بحقيّة ما هي عليه، بل يخشى أن يزيغها عن عقيدتها." بيد أنّه سرعان ما يتفطن إلى عيب التعميم فيقول في موضع آخر:"ولا يخفى أنّ هذا الأمر يختلف باختلاف الأشخاص فربّ مسلم مقلّد يتزوج بكتابية عالمة فتفسد عليه تقاليده".

ويقتفي الطباطبائي أثر صاحب المنار فيقر بأنّ "ظاهر الآية أعني قوله تعالى:"ولا تنكحوا المشركات" قصر التحريم على المشركات والمشركين من الوثنيين دون أهل الكتاب" .

ولم يتوان الشيخ الطاهر بن عاشور عن الإدلاء بدلوه في هذا الموضوع فقال: "أّما تزويج المسلمة الرجل الكتابي فالآية ساكتة عنه ... لا نصّ عليه ومنعه جميع المسلمين إمّا استنادا منهم إلى الاقتصار في مقام بيان التشريع وإمّا إلى أدلّة من السنة والقياس، أومن الإجماع وهو أظهر".

إن ما يسترعي الانتباه في خطاب هذه المجموعة على قلتها ابتعادهم عن استعادة أقوال القدامى استعادة كلّية وحرفيّة تستعلي على الواقع المعيش اليوم، وخلوّ خطابهم من اللهجة التقريرية والتمجيدية التي تدعي امتلاك الحقيقة. لذلك ألحّوا في أكثر من مناسبة على أنّهم قدّموا قراءة واجتهدوا في البحث عن أسباب النزول.كما أنّنا لا نجد في خطاب هؤلاء حرصا على تحقير الآخر ومعاملته معاملة قائمة على السباب والشتم.

لقد حاول أصحاب هذا الموقف أن يتحرروا من أسر الفكر المنغلق وكان همّهم الأول إصلاح مجتمعاتهم والنهوض بها. وبالرغم من أنّهم حاولوا تغيير نظرتهم إلى المرأة إلاّ أنّهم لم يتجرّأوا على المطالبة بمنحها حق الاختيار، بل أصرّوا على اعتبار زواج المسلمة من غير المسلم أمرا مكروها غير مباح. وبطبيعة الحال نفهم خفايا هذا الموقف إذ أنّ هؤلاء راعوا ضغط العرف والتقاليد والعادات على مجتمعاتهم ووعوا خصوصيات الظرف التاريخي الذي عاشوا فيه. فلم يكن بمقدورهم زعزعة المسلمات الموروثة والدعوة إلى إقامة علاقات جديدة مع الآخر. والحال أنّ الآخر هو المستعمر الغازي وحتى بعد حروب التحرر لم تكن المسلمة في وضع يؤهلها لتحمّل جميع المسؤوليات بما في ذلك مسؤولية اختيار قرين أجنبي وتحمّل تبعات هذا الإجراء، ولا يخفى أنّ دعوات الإصلاح سارت على نسق متدرّج وكانت على مدى طويل إذ كان من العسير قلب الأمور رأسا على عقب، وتغيير العقليات التي تشكّلت من ماض مديد.

3- موقف الإباحة إن أغلب المنضوين تحت هذا الموقف تلقوا تكوينا حديثا، منهم فئة تأثرت بالغرب فكرا وسلوكا وأعوزتها الثقافة الدينية المتينة، ومنهم فئة جمعت بين التكوينين. ومنهم المسلم الجغرافي، ومنهم غير المسلم وتبعا لذلك اختلفت منطلقاتهم والركائز التي أسسوا عليها مواقفهم. ففي الوقت الذي يصدر فيه البعض عن إيمان بضرورة إعادة النظر في المدونة الفقهية وعدم الالتزام بها حرفيّا لأنّها لم تعد تتماشى مع الواقع إذ يقتضي الظرف التاريخي الراهن تطويرها حتى تستجيب لمتطلبات العصر، ينطلق البعض الآخر من اعتقاد جازم بأهمية تأسيس المجتمع الحديث على قيم جديدة تراعي حقوق الفرد بقطع النظر عن عرقه ولونه. وجنسه، و معتقده. وتؤمن هذه الجماعة بضرورة تحرير القوانين الوضعية من التخضرم الذي يصيبها، خاصة وأنّ المجتمعات الحديثة تتحول تدريجيا إلى مجتمعات معلمنة لا تستمد مشروعية مؤسساتها من سلطة الدين وهيمنته على كافة المجالات.

وثبت في نظر أصحاب موقف الإباحة أنّ الوضع التأويلي في القديم أفضى إلى قراءة ليست بالضرورة القراءة الوحيدة الوفية لروح النصّ والملمّة بمقاصد الشرع. صحيح أنّها قراءة استجابت لمقتضيات الواقع الذي أنتجها، إلاّ أنّ المسلم المعاصر بحاجة إلى قراءة مغايرة تأخذ بعين الاعتبار مستجدات الواقع المتطور. ومن هذا المنظور اعتبر عبد القادر المرابط أنّ أية "لا تنكحوا المشركين" مرتبطة بسبب نزول محدد وقد ورد التحريم لمقصد سياسي واضح إذ كان العداء مستحكما بين المسلمين والمشركين واقتضت الحكمة الإلهية آنذاك وضع حدّ لعلاقات المصاهرة بين الطرفين للقضاء على ظاهرة التجسّس، خاصة وأنّ أغنياء مكّة كانوا يحثّون بناتهم على الذهاب إلى المدينة والتزوج بالمسلمين بغية نقل أخبارهم. ولمّا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي أن يتوقف اليوم الحكم بهذه الآية.

ويتفق فيصل غديره مع من سبقه فيذهب إلى أن آية "ولا تنكحوا المشركين" تخص مشركي جزيرة العرب فقط لأنّ الإسلام نهج سياسة خاصة إزاءهم. أمّا التزاوج بين المسلمين وغير مشركي الجزيرة العربية من سكان البلدان الأخرى في المجتمعات الآسيوية والإفريقية والاسترالية والأمريكية فهو مباح وذلك لعدم وجود نصّ قطعي الدلالة والرواية يحرمه" . ويرى هذا الباحث أنّ الآية العاشرة من سورة الممتحنة مرتبطة بصلح الحديبية، أي مخصوصة بذلك الزمان وبتلك النازلة، ويستدل على ذلك بقول الآلوسي "إنه عزّ وجلّ خصّ الحكم بالمهاجرين ولم يبق بعد الفتح هجرة كما ثبت في الصحيح فلا يبقى الحكم" . ويقول آخر ورد في شرح الزرقاني على الموطأ ونصّه: "قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنّ امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر [وفي نسخة بدار الحرب] إلاّ فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلاّ أن يقيم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدّتها". وفي ضوء ما سبق تكون الفرقة بين الزوجين لا بسبب اختلاف الدين بل بسبب اختلاف الدار. ولم يقتصر فيصل غديره على تفنيد أراء أصحاب الموقف المتشدد من مسالة زواج المسلمة بغير المسلم وبيان ضعف حججهم، بل جهد حتّى يوضّح أنّ الواقع المتحول يفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار جملة من المسائل. إذ الإصرار على تحريم هذا الزواج يعدّ اليوم علامة من علامات التمييز بين الجنسين وهو شاهد على نرجسية الرجل وشعوره بالاستعلاء والكبرياء لذلك بات من الضروري أن يدحض الرأي القائل بأن منع المرأة من ممارسة حقها في اختيار قرينها يعود إلى جهلها وضعفها. إذ لا يخفى أنّ وضعية المسلمة قد تغيّرت "والعلاقة بين الرجل والمرأة أصبحت علاقة تكامل وتآلف ولا علاقة تفوّق وسموّ جنس على الآخر كما كانت من قبل. فالمرأة أصبحت لها نفس القدرة على إقناع الرجل الذي سيصبح زوجها باعتناق الإسلام وإذا كان هناك خطر اعتناق الدين الآخر فهو شامل وصالح بالنسبة للمرأة كما هو الشأن بالنسبة للرجل" .

لا حاجة للتأكيد أن صاحب هذا الرأي لم يلتزم روح الموضوعية والاعتدال وبالغ في تصوير ما آلت إليه العلاقات بين الجنسين والحال أن من بين الأسئلة التي مازالت تؤرّق الرجل والمرأة على حدّ السواء: ماهية العلاقة بينهما في المجتمع الإسلامي الحديث كما أنّه لا يمكن اعتبار الأحكام الفقهية القديمة وحدها المسؤولة عن بقاء المرأة تحت سلطة الرجل. فالمجتمع الإسلامي لا يكاد يختلف في شيء عن المجتمعات التقليدية في أغلب الحضارات التي عرفتها البشرية.

وهكذا نتبين أنّ موقف الإباحة انبنى على وعي بأهمية التحوّلات الطارئة على القيم، والمؤسسات، ونمط العيش وما تفرضه من ضرورة إجراء تعديلات على الأحكام القانونية ومن ثمّة لم يكن الاقتداء بالغرب في الغالب، هو الحافز على اتخاذ هذه المواقف إنّما كانت رغبة المفعمين بروح الحداثة صادرة عن إدراك للهوّة التي تفصل بين القوانين والواقع.

ولعلّه من المفيد التوقف عند رأي من خصص فصلا في كتابه "أين الخطأ" لمعالجة مسألة زواج المسلمة بغير المسلم معالجة فقهية ولغوية وقد بيّن فيه أن آية "ولا تنكحوا المشركات" لا تعتبر حجة على حَظر زواج المسلمة بالكتابي ومن ثمّة فإن إجماع الفقهاء هو من نوع الإجماع المتأخر الذي لا ينهض حجة إلاّ إذا استند إلى دليل قطعي ولذا لم يأخذ أبو حنيفة بإجماع التابعين بقولته الشهيرة: هم رجال ونحن رجال" .

من الواضح أنّ هذا المفكر قد اعتمد على مبدأ التمييز بين المشرك والكتابي في تفسيره للآية 221 من سورة البقرة، كما أنّه اعتمد على مبدأ العطف في الآية الخامسة من سورة المائدة ليصل إلى تقرير حلية الزواج بين الكتابيين والمسلمات بعد النصّ الصريح فيها على حلية الطعام بينهم، يقول صاحب "أين الخطأ" متحدثا عن "الفقهاء القدامى والمحدثين" ما دروا أنّ الآية القرآنية الكريمة، شأن النظم القرآني كله خارجة مخرج الاكتفاء... فهو بعد أن نصّ على التبادل في حلية الطعام عطف عليه الزوجية كذلك. وأمّا الاحتجاج بأنّ الاقتصاد في مقام البيان يفيد الحصر، فليس بوارد مع العاطف ... وقياس المسكوت عنه من النكاح على المنطوق به من الأكل أولى" .

أمّا غاية التحريم فإنّها تعود حسب هذا المفكر إلى "الورع" الذي منع المسلمين من مصاهرة الكتابيين ولا تعود إلى النصّ، إذ أنّ منطوق الآية ومعناها يفيدان الإباحة.

إنّ النصّ يفضّل المسلم على الكتابي، ولكن ليس من حق العلماء أن يستمروا في حَظر هذا الزواج لأنّ ذلك يؤدي إلى التفرقة، ويحول دون التآخي الوطني، خاصة إذا ما نظرنا إلى وضع البلدان التي تكثر فيها الطوائف.

وجماع القول إنّ زواج المسلمة بغير المسلم مشركا كان، أو كتابيا أمر مباح في نظر أصحاب هذا الموقف. وهو خيار موكول إلى المرأة فقط لأنّها الوحيدة القادرة التي يصح منها الفعل والترك في مسألة الاختيار، إن شاءت أن تتزوج بمن تراه مناسبا لها فعلت، وإن شاءت تركت كما أنّها المسؤولة الوحيدة عن ذلك القرار. وممّا لا شك فيه أنّ نظرة هؤلاء المفكرين إلى المرأة وإلى الآخر تأتي على نقيض نظرة أنصار المجموعة الأولى. ولعلّ مردّ ذلك تشبّع المفعمين بروح الحداثة بآراء المصلحين من أمثال قاسم أمين، والطاهر الحداد وغيرهما، وإيمانهم الشديد بقيم الحداثة وحرصهم على تمكين الإنسان من حقوقه كاملة.

من المعلوم أنّ مفهوم أولوية الشخص أدّى إلى تغليب الاعتبارات الفردية على الاعتبارات الاجتماعيّة "وهو ما يجعل المرأة معتبرة في ذاتها لا بالنسبة إلى الرجل ويخوّل مثلا الاعتراف بحق المسلمة في الزواج من غير المسلم متى اختارت هذا الزواج عن طواعية بناء على ما تقرّه المواثيق الدوليّة بالنسبة إلى أتباع جميع القوميات والديانات والفلسفات" .

ومن خلال هذا الطرح يتبين لنا أن مسألة الزواج تتنزل في إطار إعادة الاعتبار إلى حقوق الفرد الذي طالما تمّ سحقه في سبيل مصالح المجموعة، كما أنّها لصيقة بالدعوات إلى الإعراض عن ضرب الوصاية على الفرد باسم الدين وتحميله مسؤولية خياراته أمام ضميره وأمام الله إن كان مؤمنا. إنّه "الانتقال من كائن ليس له وجود ذاتي خارج المجموعة ويخضع خضوعا تاما لقوانينها ولقوى خارجية عنه تتحكم في سلوكه ومصيره وتكيف حتى عواطفه وأحاسيسه إلى شخص مقدّس في ذاته تحترم فرادته له مطلق التصرف في جسده وليست له حريّة مقيّدة إلاّ بما تقتضيه حريّة الغير والمصلحة العامة"

والجدير بالملاحظة أنّ هؤلاء المفكرين نادوا بإعادة النظر في العلاقة بين الرجل والمرأة وسعوا إلى تحرير "الرابطة الزوجية من قيودها التقليدية وارتباطاتها الاقتصادية والعشائرية والاتجاه بها من مؤسسة خاضعة في كلّ تفاصيلها للعرف الاجتماعي وشريعة الامتداد إلى علاقة لا تقوم إلاّ على أساس الاختيار الحرّ والمتكافئ بين الطرفين المعنيين في الشروع بالعلاقة أو الاستمرار بها، أو إنهائها، وتفترض هذه الخطوة تحرير المرأة من الاستعباد التقليدي الذي لحق بها وإقرار حقها كاملا ليس في مجرد القبول أو الرفض أمام من يختارونها، وإنما في اختيار سبيل حياتها العاطفية والغرامية والاجتماعية والإنتاجية في المجتمع الحديث وفقا لمواهبها وثقافتها وميولها".

أمّا بخصوص نظرة المنضوين تحت المجموعة الثالثة إلى "الآخر" فإنّها تخالف النظرة التقليدية. فغير المسلم إنسان يعيش الحياة بقضّها وقضيضها و يتأرجح بين نزعات الخير والشر وهو لا يحمل بالضرورة عداء للإسلام. فحسب النظرية الحديثة لحقوق الإنسان لم يعد هناك من فرق بين إنسان مسلم وإنسان غير مسلم كلّ هؤلاء بشر وينبغي أن يتمتعوا بنفس الحقوق في المجتمع المدني الحديث وقد آن الأوان لإزالة الجدران العازلة بين المؤمن وغير المؤمن، تلك الجدران التي أقامها القدامى مجمّدين بذلك مفهوم الوحي وبالتالي مفهوم الإنسان. ولم يفت هؤلاء المفكرين الإشارة إلى الجهود المبذولة اليوم للتقريب بين المنتمين إلى الأديان الكابية إذ تعددت فرص الحوار بين المسلمين والمسيحيين بالخصوص، سواء كان ذلك تحت إشراف المجلس العالمي للكنائس، أو المنظمات الأخرى التي تبذل كلّ ما في وسعها حتى تبين أن بين الأديان الكتابية الثلاثة ذاكرة دينية مشتركة تيسّر التواصل بين أبنائها من أجل فهم أفضل للآخر.

لقد حرصنا في هذا الفصل على عرض أهم المواقف الممثلة لمختلف زوايا النظر إلى مسألة زواج المسلمة بغير المسلم والمجسّدة لأغلب التيارات الفكرية الحديثة التي تعيش وضعا يتأرجح بين مقتضيات الحداثة وقيود المحافظة. و نلمس "قواسم مشتركة" بين أصحاب الموقف الأول وأنصار الموقف الثاني فهؤلاء لم يتطرّقوا إلى موضوع زواج المسلمة بغير المسلم مباشرة، وإنّما كانت آراؤهم ترمي إلى بيان جواز التزوج بالكتابيات. وكان حديثهم عن زواج المسلمة حديثا سريعا ومقتضبا ولعلّ مردّ ذلك العزوف عن إثارة مثل هذه القضايا الشائكة أو إحساسهم بالحرج الذي سيصيبهم حتما إن هم تعمّقوا في دراسة هذه المسألة، أو لتعنت بعضهم وإصرارهم المتواصل على أنّ القدامى قالوا القول الفصل ولم يبقوا للمتأخرين حق الاجتهاد. أمّا نقطة الاتفاق الثانية فتتمثل في إلحاح كلّ من أنصار الموقف الأول والموقف الثاني على مفهوم قوامة الرجل على المرأة وتميزه عنها ومن ثمّة لم تكن المسلمة في نظرهم، شخصا مؤهلا قادرا على الحفاظ على مبادئه ومعتقداته كما أنّهم اتفقوا في النظرة نفسها إلى المشرك فهو العدو الذي ينبغي اتقاء شره وعدم موالاته.

ولا مراء في أن أصحاب الموقف الثالث يشكّلون موقف الاستثناء، إذ استطاعوا أن يصرحوا بأنّ الفقه الإسلامي بات لا يتماشى مع مقتضيات العصر فقاعدة منع الربا مثلا لا يمكن تطبيقها في حياة أضحى فيها رأس المال يؤدي الدّور الأساسي في الاقتصاد والأمر بالمثل بالنسبة إلى عدم التسوية بين الذكر والأنثى في مسألة الإرث. وقد كانت معالجة أصحاب هذا الموقف لمسألة زواج المسلمة بغير المسلم متنزّلة ضمن اهتمامهم بمواضيع أشمل، ونعني بذلك الدفاع عن حقوق الإنسان أو تطوير الفقه.

خلاصة البحث من المعروف تاريخيا أنّ مجتمع الدعوة تميّز في بدايتة بالتوق إلى أن تتطابق أوجه الحياة فيه مع الإرادة الإلهية مثلما نصّ عليها الدين الجديد. لذلك كان من الطبيعي أن يحرص المسلمون الأوائل على تأسيس مجتمع متماسك سمته التوحيد على مستوى العقيدة وعلى مستوى المجتمع، غايته توحيد العالم تحت راية الإسلام ومحاربة الشرك والقضاء على الوثنية وقتال ’الكفار’ من أجل إعلاء كلمة الله. ولعلّ خوف المسلمين على الأمّة من الانقسام العقائدي وحرصهم على تحقيق الضبط الاجتماعي جعلاهم يكرّسون فكرة أن المجتمع المجزأ من شأنه أن يضعف الأمّة إذ "الاختلاف فرقة". ولمّا كان الكون في نظر المسلم صادرا عن واحد، فإنّه اعتقد أنّ على المجتمع أن يكون هو أيضا متوحدا في سلوكه ومبادئه وتصوراته وعقيدته ولم يتصوّر المسلم البتة أنّ العالم يشكّل مركز حقائق عديدة وهو موطن متناقضات جمّة تتنافس وتتعايش وتثمر.

وعاضد "العلماء" الساسة من أجل احتواء العامّة وضرب الوصاية عليها بإضفاء الشرعية على الحلول التي اختيرت، أو القراءات التي تمّ التوصل إليها، محددين بذلك منطقة الحلال والحرام، مجمّدين مفهوم الإنسان. فقد أصبح الإنسان "الشرعي" في نظرهم، هو ذاك الذي يمتثل لمقولاتهم، المتنازل عن حريته وإرادته وفرديته لفائدة مجتمع توصّل إلى صهر الجميع في بوتقته، وطالبهم بالائتلاف مع منظومة يقينية سكونية، وحذّرهم من مغبة تقويض الأنماط التقليدية، أو العرف السائد، إذ يعسر على المجتمع أن يدمج من لا يحمل مميزات الجماعة في المجموعة. وهكذا نرى أنّ محاصرة الفرد كانت لصالح "السلطة" المتأكدة من معارفها الأزلية المرسّخة لذهن إقصائي مركز على التفريق بين الممتثل والمتمرّد، المؤمن وغير المؤمن المثبتة لقيم تميز بين الذكر والأنثى، الخاصة والعامّة، الأحرار والعبيد إلى غير ذلك.

إنّ الإنسان الذي بشّر النصّ التأسيسي بميلاده هو إنسان متفوق بحقوقه على الإنسان السابق، أي الجاهلي في عدّة مسائل غير أن الممارسة التاريخية سارت في اتجاه معاكس. ففي حين ألحّ النص على ضرورة أن تختار المرأة قرينها وأن تعلن قبولها لعقد النكاح، نرى أنّ المجتمع ميّز حقوق الرجل عن حقوق المرأة تبعا لاختلاف درجات التكليف بينهما وعلى أساس ما يتحمله كل جنس من مسؤوليات. ولم يكن يخطر ببال أي فرد تقويض تلك المرتبية "الطبيعية"، إذ كان ذلك سيؤدي إلى تعريض التوازن الاجتماعي الضروري للاهتزاز، والبنية الاجتماعية إلى الانحلال. فلا غرابة إذن أن يمنع المجتمع المرأة من التزوج بمن هو في تصوره، غير كفء دينيا واجتماعيا. وهذا علامة دالة على مدى سيطرة البنى الأوليّة للقرابة، ونعني بذلك علاقات الزواج والمصاهرة والقرابة التي كانت سائدة قبل الإسلام في المجتمع. فالفرد عندما يتزوج يراعي جملة الايلافات التي ينتسب إليها ومن ثمّة تتزوج العشيرة العشيرة، أو القبيلة القبيلة، أو الأسرة الأسرة. ومن خلال هذا الزواج ينتظم المجتمع المطلوب نحته، وتتحدد هويته الاجتماعية.

ودرءا للصدع ومحافظة على استقرار المجتمع سعى العلماء إلى بيان أنّ القرآن تضمّن عدة آيات تحرّم زواج المسلمة بغير المسلم، سواء كان مشركا أو من أهل الكتاب فكانت حجة الارتكاز على النصّ أفحم حجة في نظر هؤلاء. والملاحظ أنّه لم يكن بوسع العلماء غض الطرف عن الخطر الذي يهدّد المجتمع إن هو سمح بالزواج المختلط، وخاصة زواج المسلمة بغير المسلم إذ كيف يتسنّى للجماعة أن تحافظ على لحمتها ووحدتها والحال أنّها تفتح ذراعيها للغريب وتقبل بانضمام "الآخر" إليها ؟

ولمّا كانت المسلمة مكلّفة بتربية الأطفال وتلقينهم مبادئ المنظومة القيميّة، وساهرة على تكيّفهم مع المعايير وتشرّبهم للتمثلات الاجتماعية، وهي المطالبة بالحفاظ على الدين والتمسّك بالموروث الثقافي فإنّه لم يكن يسمح لها بالانضمام إلى مجتمع آخر والتفريط في وظيفة أساسية أسندت إليها والإخلال بدور اجتماعي أنيط بعهدتها فإلى من ستوكل مهمّة حراسة التقاليد والأعراف وغيرها إذا استشرت ظاهرة الزواج بغير المسلمين؟

إنّ انتماء المسلمة إلى مجتمع مغاير يعني خروجها من "مجموعة انتماء" ومفارقتها للجماعة وللأمّة، بل للإسلام. ومن ثمّة نفهم سبب اتهام "العلماء" لها بالخيانة لأنّها في هذه الحالة لا تكتفي بإلحاق الضرر بنفسها وإنّما تساهم في تفكيك البنية الاجتماعية الثابتة.

وإذا علم، لدى التقليدين أنّ "طبيعة المرأة" وتحكّم العاطفة فيها، ودورها الذي يتحدد بالتلقي والتسليم والطاعة سيؤدى بها إلى التأثر بفكر الآخر وسلوكه وقيمه ومعتقده، فإنّ النتائج المترتبة عن اقترانها بغير المسلم معروفة مسبقا: تكثير عدد الكفّار وتنشئة اجتماعيّة لأطفالها تخالف الأنموذج الإسلامي وفي نهاية الأمر ارتداد عن الإسلام. ولعلّ أخطر هذه النتائج التحوّل الذي سيطرأ على مكانة المرأة: من امرأة ممتثلة للمعايير، مستبطنة للقيم متكيفة مع الأفكار الاجتماعية السائدة، مطيعة لجميع السلطات، إلى امرأة متمرّدة على بنية تقليديّة ثابتة، مقوضة للأعراف الصارمة وهو أمر لم يكن المجتمع الإسلامي ليسوّغه. والواقع أنّ معاشرة المسلمة لغير المسلم تقوض مسلّمة أخرى تتمثل في تحول جسدها إلى مسرح وطء "الآخر" وامتلاكه، إذ لا يخفى أنّ الإيلاج في الفرج، هو إثبات للحضور، أو الامتلاء الرجولي مقابل غياب المرأة. ولمّا كان "الفرج يترادف مع المفتوح، مع الذي يسمح بدخول المؤثر، والتعرّض للتحوّل لاحقا"، فإنّ المجتمع الإسلامي سعى إلى تحصينه اجتماعيا فمنع أن يكون هذا الفرج ومن ورائه الجسد محلّ رغبة "الغريب" وملجأ شهوته، ومحط غرائزه ومحلّ ممارسة سلطة عليه، خاصّة إذا كان هذا الجسد صامتا لآثاره التي تغير من جغرافيته، وصامتا أمام رغبات الرجل مستكينا في وضعية تخول لجسد غريب مستبطن لعادات وتقاليد ومعتقدات مغايرة أن يخترقه وأن يطبعه بطقوسه وقيمه ونظمه. وبيّن أنّ الرقابة على الجنسانية والإصرار على ربطها بالدين والسلطة، تكشف أنّ الجنسانية سلطة ضدّ السلطة، وذلك لأنّها تلغي كل الاعتبارات التراتبيّة والفوارق وهي تطيح بتلك الادعاءات التي تلح على اختلاف الناس، كما أنّها تفقد المسلم إحساسه بالتفوق بمعنى ما. إنّ مفاهيم وقيما متعددة تحوم حول الجسد، منها العذرية والطهارة والنظافة والأخلاق، والدين والعرض ممّا يجعله جسدا حاملا لهويّة اجتماعية لا يمكن التفريط فيها، لذلك سيلح "العلماء" على المباينة الحاصلة بين جسد "المسلم" وجسد "الكافر"، طهر تقابله نجاسة وشرف يقابله وضاعة. ويستمر استعلاء جسد المسلم على جسد’ الكافر’ حتى بعد الموت إذ سيحظى جسد المسلم بطقوس احتفالية ترتفع به إلى مصاف المقدّس بينما يقبر جسد الذميّ بسرعة. وإذا كان جسد ’الكافر’ مثيرا للاشمئزاز فلم قبل المسلمون وطء "الكافرات"؟ لقد برر العلماء ذلك بامتثالهم للأوامر الشرعية والإرادة الإلهية، إذ اقتضت المصلحة أن ينكح المسلم الكتابية خدمة للإسلام. فبواسطة فعل المجامعة يتكاثر نسل المسلمين دون أن يؤدي ذلك إلى قلب العلاقة بين المهيمن والمهيمن عليه. لقد منح الرجل نفسه مركزية كونيّة وحق اتخاذ أي قرار يراه صالحا لنفسه وللمرأة . وجمّل لها الانقياد إلى قراراته وأقنعها بأنّه احتراما لعزّتها وشرفها حرّم "القرآن أو الشريعة أو الإسلام" "زواجها بالكافر". وممّا لا شكّ فيه أنّ استعمال فعل حرِّم كان مقصودا إذ أنّ التحريم هو وسيلة من وسائل التأديب والقسر والتطبيع وبيّن أيضا أنّ وراء خطاب المنع هاجس الخوف من "المختلف" وذلك لأنّ اعتقاد المسلمين بأنّهم يملكون مفاتيح الحقيقة، وافتخارهم بانتمائهم إلى أفضل دين وشعورهم بالاصطفاء جعلهم لا ينظرون إلى "الآخر" المنتمي إلى جماعة مغايرة أو إلى دار ’الكفر’ إلاّ من خلال منظومة عقائدية مقفلة، ويحاكمونه ويحكمون عليه على هذا الأساس ويضعونه في مأزق الاختيار بين واحد من أمرين: إمّا المماهاة التامة أو الحرب، ولسان حالهم إمّا أن يكون الآخر على صورتي ومذهبي أو يدان وينفى، ينبذ ويقصى وذلك لأنّ الاختلاف في نظرهم، هو نقيض التوحد، وهو خطر يهدد لحمة المجتمع الإسلامي. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ التوحيد قد مارس خلافا للوثنية التقليدية، هيمنة شاملة وحصْرِيَّة على الفرد ممّا جعل كلّ تسامح إزاء الملل الدينية الأخرى خيانة للمثل العليا للجماعة. ولعلّ أهمّ مرتكز تأسست عليه هذه النظرة إلى الآخر وظيفة الدين في المجتمع الإسلامي آنذاك. فكما هو معروف كان الدين يوجه جميع الأعمال وكان كلّي الحضور يطوّق الإنسان من كلّ جانب باعتبار أنّ الدين هو الناظم لأفعال الفرد والمرجع لكلّ ما يأتيه. ولا مراء في أنّ قبول "الآخر" عضوا منتميا إلى الجماعة الإسلاميّة، متمتعا بكل حقوقه كان يتم بعد اعتناق الإسلام، أي أنّ معيار التعامل مع الآخر كان معيارا دينيا بالدرجة الأولى.

وإذا نظرنا إلى العصر الحديث تبيّن لنا استمرار هذا الموقف المنغلق لدى أغلب الذين دعوا إلى حظر زواج المسلمة بغير المسلم. وقد تواتر في خطاب هؤلاء أن لا خلاص للمسلمين من المآزق التي يتخبطون فيها، والأزمات التي تحيط بهم من كلّ جانب، إلاّ بالعودة إلى الشريعة التامة الكاملة، فهي النموذج الذي ينبغي احتذاؤه. وهكذا عدَّ زواج المسلمة بغير المسلم علامة دالة على الوفاء إلى الشريعة، والالتزام بما تضمنته من أحكام خالدة، كما أنّه وسيلة من وسائل مقاومة غزو الآخر والتمسّك بالهويّة والأصالة والخصوصيّة في عالم تسقط فيه الحواجز بعد أن أقدم "الغرب" على هدم القلاع الفاصلة بين الحضارتين واستأصل تراث الأمة عبر حركة العولمة.

ونحن إن ركزنا عملنا على تقصي مواقف المفكرين، إلاّ أنّه ينبغي التذكير بأنّ موقف المنع لا يتجلى في كتابات المفعمين بروح التقليد وفي التشريعات الحديثة للبلدان الإسلامية وبالخصوص لدى المتشددين ، بل هو مجسّد في الواقع المعيش عبر الإكراهات التي تمارسها الأسرة التقليدية على المرأة متى تجرأت على التعبير عن رغبتها في الزواج بالأجنبي حتى وإن كان مسلما .

إنّ الأسرة التقليديّة تشعر بالضغط وبرقابة الوسط الاجتماعي الذي يحيط بها فيكون ذلك دافعا لكي تشدد في استعمال سلطتها وتجسيدها بالمنع. ولا يخفى أنّ الأسرة لم تعد تشدّد على احترام أوامر الدين بقدر ما تشدد على احترام التقاليد الاجتماعية والعادات، ومعنى ذلك أنّها تولي أهميّة للمظاهر على حساب المضامين. ويصل هذا التشدد إلى توخي العنف (اللفظي أو النفسي أو المادي ) أسلوبا لفرض سلطتها. ويبدو أنّ مردّ هذا العنف النظرة إلى المختلف. فإذا كان المرء يتقبل اختلاف الغريب عنه على مضض ويتوقع نراعه معه، فإنّه لا يرضى أن يختلف عنه أخوه أو صديقه أو شريكه، وكلّ من تجمعه به صلة ما، ولا يستسيغ انفراده بالرأي والموقف من دُونه فكيف يرضى بانشقاقه عنه وخروجه عليه؟ لذلك يشعر المرء بالحقد والضغينة تجاه من تربطه به رابطة ما، عندما يدرك أنه يسعى إلى الانفكاك عنه، ومفارقته إذ يعتبر ذلك بمثابة ظلم له أو عدوان عليه. ويسوغ لنا القول إن مصدر حظر زواج المسلمة مغير المسلم هو المجتمع بعُرفه وعاداته ومعاييره المستحكمة فيه والأيديولوجيا المهيمنة فيه. وهو أمر يجعل الحكومات متخوّفة من مواجهة هذا الإرث الضارب في عمق البنى التقليدية ومخلفات المجتمع العشائري إذ أنّ هذه البنى التقليدية مازالت تتمتع بالقوّة التي يمنحها لها بنيان كامل من التقاليد والقوانين المستندة إلى الدين. كما أنّ إصرار الحكومات على منع هذا الزواج يشي بخوفها من الاصطدام بالتيارات الإسلامية المتشددة التي تحتسب على المشرّع عثراته لتنادي بضرورة الخروج عليه، وقتله باعتباره مرتدا فلا عجب إذن أن نجد عزوف المشرّع عن حلّ المشاكل التي تثير قضايا رأي عام وتحدث انشقاقا في الصفوف.

وممّا لا شكّ فيه أنّ موقف المنع يدفع أغلب المقبلين على عقد مثل هذه الزيجات إلى توخي "الحيل الشرعية"، أو لنقل "التحيل على القانون". إذ يلجأ هؤلاء إلى اعتناق الإسلام ظاهرا من أجل الحصول على شهادة تخوّل لهم إبرام عقد الزواج والاعتراف بحقوقهم وضمان الاندماج البطيء في المجتمع.

إنّ اللجوء إلى هذا الإجراء يثير جملة من التساؤلات: هل أنّ وظيفة المشرّع حماية الإسلام وجمع الأنصار، أي القيام بأعباء الدعوة الإسلاميّة ؟ ثم ألا تعدُّ شهادة اعتناق الإسلام في مثل هذه الحالة علامة على الرياء والنفاق ودليلا على الخوف من الرقابة الاجتماعية وبرهانا على التحايل على القانون ؟ ثم ألا ينبئ يسر التحصّل على شهادة اعتناق الإسلام على تواطؤ المشرّع مع المزوّرين وبحثه عن حلّ هذا الإشكال بطريقه غير مباشرة وصريحة ؟ ثم هل يسلط المنع على غير المسلم، أم على الأجنبي باعتبار أنّ الملحد مثلا لا تسأله الأسرة عن معتقده ولا يطالبه القانون بتقديم شهادة ؟

أليست وظيفة دولة القانون إتاحة الفرصة للتعايش في كنف الوئام والتآلف لا بين أناس يشتركون في الإيمان بنفس الحقائق فحسب لكن أيضا بين أناس من ذوي القناعات المختلفة؟

لقد حيّرت جملة من الإشكاليات المفكرين المفعمين بروح التحديث فدفعتهم إلى التمحيص في مسألة زواج المسلمة بغير المسلم وتقليبها على مختلف الوجوه. ولم يكن بمقدور هؤلاء غضّ الطرف عن مسائل تم تغييبها في المساجلات التي دارت حول هذه القضية ولعلّ أهمّ هذه المسائل العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة المقبلين على الزواج العاطفي.فالحبّ حدث يهز كيان المرء ويغيره وهو نتاج شعور إنساني لا يأخذ مرجعيته من الأديان. فأن تحب معناه أن تعترف بالآخر وأن يعترف بك هو أيضا وذلك لأنّ ممارسة الحب هي إيمان بالآخر، بحريته، بفكره، بقدراته ورغباته، ومراعاة شروط الحوار الخلاّق والواعي معناه أيضا أن تتحققا معا داخل ثنائية الأنا والآخر.

صحيح أنّ نسبة هذا الزواج العاطفي قليلة ولكن ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار إذ أنّ دوافع الزواج ليست دائما مراعاة النظام الاجتماعي والقانون، وإنّما قد تجذب قيم أخرى الإنسان مثل الحبّ والجمال والخير فتتدخل في اختياره لشريكه. إنّ علاقة المرأة بالرجل تفسرها الحاجة البيولوجية والرغبة، ولكن تفسرها أيضا، بل أساسا مفاهيم كالشطر والشبيه والمختلف. فالمرأة شطر الرجل الذي انفصل عنه وهي شبيهه الذي يألفه ويسكن إليه وهي باختلافها عن الرجل تجذبه وتستهويه وهي أيضا مكافئ له أو ندّ.

أمّا المسألة الثانية التي لم تؤخذ بعين الاعتبار فتكمن في مختلف التحوّلات التي طرأت على المجتمعات الحديثة والتي لا يمكن الإغضاء عنها. فإلى جانب الأسرة التقليدية نجد الأسرة المتحولة التي بدأت تتغيّر شيئا فشيئا، بتخليها عن بعض خصائص الأسرة التقليدية، كما أنّنا نجد الأسرة "النووية" وهي نموذج فرض نفسه وغيّر مضامينه بصورة جذرية وأعاد النظر في المسلمات. وغنيّ عن البيان أنّه إذا ما تواصلت ظاهرة تفكّك بني القرابة وعلاقات الزواج السائدة في مجتمعاتنا، فإنّ ذلك يعني بداية التحوّل وتغيير القيم التقليديّة الراسخة وتشكيل نسيج جديد للمجتمع بصهر فئاته بعضها بالبعض الآخر.

إنّ التحوّل لم يصب بنية الأسرة وتركيبتها فحسب، بل طرأ على منزلة المرأة في المجتمع وفي النظرة إلى أدوارها و وظيفتها ومكانتها، فهي من منظور أنصار موقف الإباحة كائن خارج عن قصوره مستقلّ بعقله مالك زمامه ينتج معرفته عن ذاته وعن عالمه ببحثه ويشرّع لاجتماعه مع غيره بحسب تجاربه وخبراته. وهي إن اختارت الاقتران بغير المسلم مسؤولة أمام ضميرها وأمام الله، إن كانت مسلمة. ومن ثمة لا سبيل إلى اتهامها بأبشع النعوت أو لفظها خارج المجموعة. إنّ الناس في المجتمع صنفان: منهم من يؤثر ملازمة الجماعة وهم الأكثرون، ومنهم من يؤثر مفارقتها وهم الأقلّون، والأوّلون هم المقلّدون في أمورهم يأخذون بآراء الجماعة ويمتثلون لمعاييرها فسعادتهم في الائتلاف مع المعهود والالتزام بمثل الجماعة ورموزها وموروثها. أمّا الآخرون فإنّهم يميلون إلى الانفراد ويقفون على مسافة من الجماعة، يفارقونها بآرائهم وأفعالهم ويحتجّون على سلوكها وطريقة معاملتها للفرد ويتصوّرون السعادة على غير ما تتصوره لأنّهم يطلبون درك الحقائق والغوص في الدلالات والتحرر من الأطر التقليدية ويأنفون من الانقياد. والمسلمة التي تقترن بغير المسلم هي من بين الأقلية التي تمارس هويتها الاعتقادية بشكل مختلف عن الآخرين وليس من حق أي مذهب، أو طائفة، أو حزب أن يفرض تأويله وأن يحتكر النطق باسم الإسلام.

نعم إنّ للإسلام هويته ولكنّها هويّة مركبة متعددة، واسعة، متغيرة مصنوعة ينتمي إليها كلّ المسلمين الذين هم مختلفون في تصورهم للإسلام وكيفيّة ممارسته أو التعامل معه. فمنهم من يغلب في تصوره له الجانب الأخلاقي، ومنهم من يمارسه بصورة مرنة سمحة منفتحة على من يخالفونه في المذهب والمعتقد، بل على البشر أجمعين. منهم من يتعامل معه باعتباره سياجا عقائديا، أو سجنا فكريا ومنهم من يتعامل معه باعتباره أفقا روحيا أو فضاء ثقافيا باعتباره مساحة للتواصل الايجابي والفعل الحضاري و هذا من شأنه أن يدفعنا إلى الإقرار بالتحوّل الطارئ على وظيفة الدين في العصر الحديث ويقودنا إلى التزحزح من موقف قائم على الطعن في حق الاختلاف واعتباره مؤديا إلى الضلال، أو الانحراف إلى موقف مرن منفتح على الآخر لا ينسف إرادته وحرمته الشخصيّة وإنّما يقرّ له بحقه في المغايرة المشروعة. كما أنّ هذه التحولات تملي علينا إعادة النظر في المنظومة الدينيّة الموروثة قصد تفهّمها ومراعاة تاريخيتها. ولعلّه من قبيل التكرار الهامّ أنْ نذكّر بقول الإمام عليّ "القرآن حمّال أوجه"، وقوله أيضا "القرآن خطّ مسطور بين دفتين لا ينطق وإنّما ينطق به الرجال".

لقد بات من الضروري الكشف عن حركة النصّ الكليّة لتتجلى لنا دلالة المضمر في قضية المرأة ومساواتها بالرجل. وقد عبّر الطالبي عن أهميّة هذه القراءة المقاصديّة بقوله: "إذا ما وجدت أنّ القرآن وجّه وضع المرأة نحو تحسين حالتها إلى حدّ المساواة بينها وبين الرجل وإكسابها حقوقا لم تكن موجودة، فمن الواجب أن أسير في نفس الاتجاه الذي يرسمه السهم أي التحرير المتواصل، اعتدال متواصل، عدل متواصل." وما من شكّ في أنّ عمليّة تقصي المضمر في النصّ التأسيسي ستؤدي إلى تحرير الإنسان رجلا كان أو امرأة من أسر الارتهان الاجتماعي والديني والعقلي. فالنصّ لا يفرض على الواقع ما يتصادم معه كليا بقدر ما يحرّكه جزئيا.

* أستاذة وباحثة جامعية من تونس

1 زواج المسلمة بغير المسلم

2 زواج المسلمة بغير المسلم


1 - رشيد رضا، "تفسير المنار"، ج 2، ص ص 350-351. و ج 6، ص 190.

2- المرجع نفسه، ص 350.

3- رشيد رضا، "تفسير المنار"، ج 2، ص 352.

4- الطباطبائي، "التفسير الكبير"، ج 6، ص 61. و"الميزان في تفسير القرآن"، ج 2، ص 205. وانظر جميل منيمة "مشكلة الحرية في الإسلام"، ج 2، ص 15. ص 129.

5 - ابن عاشور، "التحرير والتنوير"، ج 2، ص 360.

6 - لاحظ أنّ محمود عزمي طالب بتوحيد التشريع استنادا إلى مفهوم القومية المصرية وفتح أبواب الأسوة المسلمة لغير المسلمين. انظر فهمي جدعان، "أسس التقدّم"، ص 340. أمّا الشيخ عبد الله العلالي فقد دعا منذ السبعينات إلى اباحة زواج المسلمة بغير المسلم حتّى يتمّ تحقيق التعايش بين مختلف الطوائف في لبنان انظر:
- S. d. Azm, « The importance of being » in, Die welt des Islames, band XXXI, n° 1, 1991, pp. 32-33.

7 - Abdelkader Merabet, « Le mariage de la musulman avec le non musulman », in « Revue de Presse », n° 304, 1986, p. 29. 8 - فيصل غديره، "زواج المسلمة بغير المسلم"، ص 40.

9 - الألوسي، "روح المعاني"، ج 28، ص 77.

10 - شرح الزرقاني على الموطأ، ج 3، ص 26.

11 - فيصل غديره، "زواج المسلمة بغير المسلم"، ص 71.

12 - العلايلي، "أين الخطأ"، ص 128، نقلا عن مهدي فضل الله، "الاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام"، دار الطليعة، بيروت، ط 1، 1987، ص 78.

13 فضل الله، "الاجتهاد والمنطق الفقهي"، ص ص. 79-80.

14 - عبد المجيد الشرفي، "الإسلام والحداثة، ص 125.

15 - المرجع نفسه، ص 252.

16 - صادق جلال العظم، "في الحبّ والحبّ العذري"، ص 118.

17 - انظر مثلا، محمد أركون، "الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد"، ص 121.

18 - يمكن الاطلاع مثلا على:
- Ali Merghani, « Réflexions sur les relations du code de statut personnel avec le droit musulman », in, R.T.D., n° 4, 1975, p. 63. كلثوم السعفي، "حوار مع عبد المجيد الشرفي" في نحن ....والغرب"، ص ص 93-95.

19 - محمود إبراهيم، "الجنس في القرآن"، رياض الريس للكتب والنشر، ط 1، لندن، 1994، ص 65.

20 -ذكر أنّ 61،15% من الشبان اللبنانيين أنّ أهلهم يحظرون عليهم الزواج ممن يدينون بغير دينهم في "زهير حطب وعباس مكي، السلطة الأبوية والشباب، معهد الإنماء العربي، بيروت، د ت، ص 123.

21 - لاحظ أن هذه الاكراهات تمارس على الكويتيات اللاتي تزوجن بعرب. فقرابة 797 امرأة تواجه الآن مشكلات بخصوص الجنسية والإقامة والعمل بسبب القوانين السائدة في الكويت.

22 - يأتي الأجنبي على رأس قائمة غير المرغوب في مصاهرتهم من أمثال المنتمين إلى بعض الجهات أو المنتمين إلى طبقة ما أو لهم عنصر خاص أو لون مميّز إلى غير ذلك من المقاييس التي حددتها الأسر المنغلقة.

23 - الطالبي، "عيال الله"، ص 144.