وصمة عار ستلاحق الدواعش الى الابد - Middle East Transparent


وصمة عار ستلاحق الدواعش الى الابد

الأحد 15 شباط (فبراير) 2015

وصمات العار التي ستلاحق الداعشيين ومن في حكمهم من الغلاة والمتطرفين "الاسلاميين" كثيرة منذ اليوم الأول لظهورهم البائس على خارطة الأحداث في سوريا ةالعراق، كان آخرها الطريقة البشعة التي قتلوا بها الطيار الأردني معاذ الكساسبة رحمه الله.

على أنّ اسم الياباني "كينجي غوتو" سيبقى أيضا محفورا في الأذهان لزمن طويل كدليل على التوحش الذي طبع أعمال هذه الفئة المارقة المتطفلة على الاسلام.

وبطبيعة الحال فإن اليابان لئن كانت اليوم حزينة ومتألمة على فقد واحد من أبنائها البررة، فإنها ستتعافى بسرعة من الصدمة وستواصل مسيرتها في خدمة الانسانية والبشرية مثلما كان حالها دوما، إختراعا وإنجازا ومساهمة في الأعمال الاغاثية حول العالم وتقديما للمساعدات التنموية لدول العالم الثالث ومشاركة في حفظ الأمن والسلم الدوليين، وتوفيرا لكل ما يخدم البشرية من تقنيات. وهي في هذا تعتمد على إرث حضاري منيع وثقافة خاصة متميزة وسلوكيات إجتماعية نبيلة معطوفة على الايثار واحترام ثقافة الآخر والانحياز للسلام والمحبة والتعاون.

لكن ماذا عن الطرف الآخر الذي لا يملك أي رصيد، ولم يساهم مثقال ذرة في الحضارة الانسانية، بل الذي استغل ما أنجزته هذه الحضارة من وسائل في أعمال الهدم والتدمير والحرق، وسفك دماء الأبرياء، وسبي النساء، والاعتداء على الطفولة البريئة وغير ذلك من أعمال يندى لها الجبين؟ لا شك أن النقمة ستزداد عليه في كل مكان، واللعنة ستطارده في كل آن.

إن كينجي غوتو قد رحل إلى جوار ربه ملتحقا بقائمة طويلة ممن نحرتهم "داعش" بدم بارد من صحفيين وعمال إغاثة وممرضين أجانب من أمثال الامريكيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف وبيتر كاسينغ، والبريطانيين ديفيد هينز وآلن هينينغ. وكان آخر هؤلاء الرهينة الياباني "هارونا يوكاوا" الذي أعدم الشهر الماضي بعدما رفضت طوكيو دفع فدية بمبلغ 200 مليون دولار مقابل إطلاق سراحه. لكن العمل الدنيء الذي أرتكب بحق هذا الأخير ومواطنه "كينجي غوتو" لن يثني اليابانيين عن مواصلة دعمهم للجهود الدولية الهادفة إلى قطع دابر الإرهاب والتوحش من العالم بصفة عامة ومن الشرق الأوسط بصفة خاصة، بل سيزيدهم اصرارا على انتهاج هذا المنحى على حد قول رئيس الوزراء "شينزو أبي"، خصوصا وأن "غوتو" لم يرتكب جرما بحق أي إنسان أو جهة، ولم ينخرط في أي تنظيم معاد للدواعش، ولم يفعل ما يستوجب قطع رأسه بوحشية. فالرجل عــُرف عنه انسانيته وعمله الدؤوب مع منظمة اليونيسيف ووكالة الاونروا وغيرها من المنظمات الدولية، كما عــُرف عنه جهوده الصحفية في إبراز تداعيات الحروب والقلاقل والصراعات على الأطفال واللاجئين والمرضى والمشردين عبر تغطيات صحفية متقنة لمناطق النزاعات في سيراليون وراواندا ودول البلقان والشرق الاوسط، الأمر الذي يحسب له وليس عليه. لكن وحوش القرن الحادي والعشرين أنـّا لهم أنْ يتفهموا كل هذا الجهد الخيّر، وهم الذين لم يسلم من همجيتهم حتى إخوتهم المسلمين، وآخرهم الطيار الشهيد معاذ الكساسبة.

وكما في كل العمليات الجبانة السابقة التي قامت بها داعش اختطافا وتهديدا وابتزازا، وما تلاها من خروج ذوي الضحايا على وسائل الإعلام لإستعطاف المجرمين علهم يفرجون عن أحبتهم، فإن والدة "غوتو" السيدة "جونكو ايشيدو" خرجت أيضا على وسائل الإعلام دامعة العين كسيرة النفس.

غير أنّ الإختلاف هذه المرة كان في سبب الظهور أمام وسائل الإعلام! فهي لم تفعل ذلك من أجل أن تستجدي وتستعطف الخاطفين عبر تعداد مناقب إبنها وصولاته وجولاته الانسانية والإعلامية في الوقوف إلى جانب المشردين واللاجئين والأطفال حول العالم، لأنها لو فعلت هذا لوصمت من قبل مواطنيها بالأنانية والفردية وتمجيد إبنها بحسب رأي "جيف كينغستون" مدير الدراسات الآسيوية في فرع جامعة تيمبل الأمريكية بطوكيو. إنما ظهرت في الإعلام المحلي من أجل أن تعتذر لشعبها وحكومتها ومجتمعها عما تسببت فيه قضية إبنها لهم من متاعب وقلق. والإعتذار، كما هو معروف، جزء أصيل من الثقافة اليابانية ويمارسه الكبار والصغار في حياتهم اليومية.

ولعله من المفيد أن نشير في سياق الحديث عن الرهينتين اليابانيين إلى أن تعاطف اليابانيين مع الرهينة "غوتو" كان أكبر من تعاطفهم مع زميله "يوكاوا"، والسبب أن الأول إعلامي لامع ذو خبرة وصاحب سجل في الإلتزام والانضباط، بعكس الثاني الذي لم يـُعرف عنه سوى اللامبالاة والتفكك الأسري والبحث عن المغامرات التي ورطته في نهاية المطاف في الشأن السوري، وجعلت الأول ضحية له.

وإذا كان اليابانيون قد رحبوا في السابق بسفر "غوتو" إلى مناطق الصراعات والحروب بسبب لهفتهم على معرفة الحقائق الاخبارية من أحد مواطنيهم مباشرة، فإنهم باتوا يتساءلون اليوم عن الاسباب التي تدفع بعض مواطنيهم للسفر إلى مناطق يعرفون مسبقا أنها محفوفة بالمخاطر وقد تؤدي بهم إلى القتل أو الخطف أو الاعتقال، وبالتالي وضع الأمة كلها في محنة.

والحقيقة أن هذا المنحنى بدأ يتزايد منذ عام 2004 حينما تم الإفراج عن ثلاثة يابانيين من قبل إحدى الجماعات الميليشياوية في العراق. وقتها اعتقد هؤلاء أنهم سوف يُستقبلون بالحفاوة بمجرد عودتهم إلى وطنهم، لكن الاعلام المحلي فاجأهم بحملة شعواء لتسببهم في مشاكل للحكومة والناس، ودعت الحكومة إلى إلزامهم بدفع نفقات نقلهم من بغداد إلى طوكيو جوا بدلا من أن يدفعها دافع الضرائب الياباني.

*باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين

Elmadani@batelco.com.bh