الاسلام ما بعد الفقه - Middle East Transparent


الاسلام ما بعد الفقه

الجمعة 20 شباط (فبراير) 2015

يمر الفكر الاسلامي الان بما سأسميه مرحلة ما بعد الفقه أي تخطي كتب التراث وتصنيفات أصحاب المذاهب والعودة إلى الاصل الاول من جديد، وهي مرحلة الزمتها حالة الجمود والانغلاق التي تسود افكار فقهاء هذا العصر وتجعلهم فى تناقض بين واقع الحياة وما تحدثهم به كتبهم. ومن العجيب أنهم يلجأون الى كتب مضى عليها ألف عام أو أكثر لإصدار أحكام على واقع معاصر ويكون من غير المعقول أن نسأل القدماء عن واقع لم يعيشوه وفق معارف لم يدركوها.

ولأن علماء هذا الزمان يجدون حرجا فيما يعرض عليهم من مسائل ويخشون الخطأ، فإن فتاويهم تجئ دائما بالتحريم. حرموا القهوة سنة 1548، وحرموا ركوب الدراجة وحرموا الراديو فى السعودية سنة 1932، وقال شيخ "من ادخل راديو فى بيته فكأنما أدخل بغيا"، وكل جديد يأتي به الغرب أو العلم يكون حراما فى أول ظهوره ثم يصبح حلالا بل وله اساس اسلامي بعد ذلك.

ما كشف تردد الفقهاء وفساد رأيهم هو الظهور غير المنتظر للجماعات التكفيرية والجماعات التي ترغب فى تحويل الدين إلى نظام سياسي، وسوف لن نفرق هنا بين الاخوان المسلمون وبين "داعش" فكلهم يسعون لهدف واحد ويرجعون إلى فكر واحد لا يتغير من فقيه إلى فقيه لكنه أكثر وضوحا عند ابن تيمية الذي لم يكن معروفا إلى أن تولى اعادة نشره وتطبيقه ال سعود ومحمد بن عبد الوهاب. والا فما معني أن تضع فى علمها الشهادتين وتحتهما سيف؟ ألا يعني ذلك أنك تريد أن تنشر دينك بالسيف؟ فلماذا يعترضون على "داعش" وهم يدعون إلى ما تدعو، وابن عبد الوهاب فعل كل ما فعلوه، فغزا وقتل وسبي وأحرق الزرع ودمر البيوت؟

لكن حينما ظهرت أفعالهم بعنفها الشديد الذي لا يناسب متطلبات العصر واجه هؤلاء الحرج لانهم يدركون ان "داعش" و"القاعدة" مسلمون حقيقيون يجدون فى كل ما يفعلونه سندا فى الدين واثرا من سنن الصحابة! ومهما كانت بشاعة افعالهم، فلن يستطيع عالم أن يشكك فى ايمانهم ولن يستطيع فقيه صادق مع نفسه أن يخرجهم من ملة الاسلام. قد تعترض على تصرفاتهم قد تقول أن فى الاسلام وجهات نظر اخرى فيها سماحة وفيها عفو ورحمة، لكنك لا تستطيع أن تصفهم بأنهم أعداء للإسلام، ولا تستطيع أن تقول انهم يفعلون ما لم يأمر الاسلام به! فإن أحرقوا عدواً، فقد احرق ابو بكر الصديق الفجاءة السلمي، وأحرق علي بن أبي طالب جماعة ممن اتهمهم بالزندقة أحياء. واباح الفقهاء حرق البيوت والحصون. وان ذبحوا، فالصحابة كانوا يذبحون اعداءهم المسلمين وغير المسلمين وتاريخ الاسلام مليء بمن ذبحوا وأولهم أبو جهل الذين جاءوا برأسه للرسول. وذبحوا الحسين وقطعوا رأسه ونقلوه على سنان رمح إلى دمشق. ومحاولة انكار الصور والفيديوهات الذى يبثها التنظيم رغم بشاعتها وتوهم الخطأ فيها هي محاولة للهروب من طرح السؤال وعدم مواجهة الحقيقة.

ومشكلة الفقه أنه يقدم الحديث على الأية ويلوي نصها ليناسب ما هو منسوب للرسول، فاذا صعب عليهم الامر اخترعوا فكرة الناسخ والمنسوخ. والأدهى أن يقولوا أن الأية نُسخِت كتابة وبقيت حكماً، أو نُسِخت حكما وبقيت كتابة، وكأن الله يبدل رأيه ويلغى كلامه، فهذا وصف لله بعدم الكمال بدخلهم فى مظنة الكفر.

ثم هم بعد ذلك حرموا استخدام العقل تماما وفضلوا عليه الحديث ولو كان ضعيفا وقال بن تيمية (من تمنطق فقد تزندق لأنه علم كلام لا خير فيه) والمنطق كلمة تجئ من الناطقية والناطقية هى التفكير فإذا ألغيت فكرك فماذا بقي لك فى هذه الدنيا وكيف يحاسبك الله فى يوم القيامة وأنت فعلت ما فعلت بدون تفكير أي بدون ارادة.

وأصحاب العمائم يظهرون فى لقاءتهم التليفزيونية وأحاديثهم قلقين مترددين لا يربط كلامهم منطق ولا سببية، لأن داعش فضحتهم ووضعتهم أمام تحد لا مهرب منه أن تكون مع العالم أو تكون ضده ولأنك لن تقدر على مواجهته فعليك أن تعتزله وان اعتزلته فلن يعتزلك وستجده قائما عندك

ان المؤسسات العلمية التاريخية كالأزهر فى مصر والزيتونة فى تونس والقرويين فى المغرب وبقاياهم فى ليبيا يخسرون قضيتهم ويعلمون أنهم خاسرون ويواجهون تحديات صعبة لن يفلحوا فى قبولها. والعالم العربي تغير كثيرا فى السنوات الماضية وجرؤ الناس على السؤال ووفرت الشبكة مجالا واسعا لقراءة كتب فى الفقه كانت تعتبر سرية ولم تكن متوفرة الا لطلبة العلم يقرأونها على ايدي معلمين يدربونهم على الحفظ والصمت وتقديس الشيخ وعدم الجرأة على طرح السؤال ولو لم ينشروها على الشبكة لكان هذا أفضل لهم كثيرا.

ولأول مرة يتعرض الفقه وشيوخه للنقد اللاذع الجريء على شاشات التليفزيون وأمام ملايين المشاهدين وتخرج محطات تليفزيونية مصرية تهاجم الازهر الذى كان قبل سنوات قليلة يكتسي هالة مقدسة ويفرض حصارا على اجهزة البث فلا يعرض مسلسل تليفزيوني إلا بموافقته ولا يطبع كتاب ألا بموافقته ولا يدخل كتاب أجنبي أو فيلم ألا بموافقته ويستطيع حظر أي مطبوعة متداولة فى الاسواق لا يعجبه محتواها

فى القرنين الثامن والتاسع عشر عبرت أوروبا إلى مرحلة ما بعد المسيحية وفى القرن العشرين عبرت إلى ما بعد الاخلاق وفى هذا القرن تعبر إلى ما بعد القيم. وفى ألمانيا كان شاب وشقيقته يعاشران بعضهما وانجبا ثلاثة أطفال ورأت الشرطة أن تقدمهما للمحاكمة بتهمة تصرف عير لائق واستشارت الحكومة لجنة تسمى لجنة القيم وقالت اللجنة أن الحق فى ممارسة الجنس بالطريقة التي يريدها الفرد أهم من موضوع القيم! وفى أمريكا التقت فتاة بأبيها الذى غاب عنها منذ أكثر من عشر سنين وعادت إليه فى اليوم التالي لتخبره أنها تنظر اليه كرجل وليس كأب، وقال أنه يشاركها نفس الشعور وهما يبحثان عن ولاية تسمح قوانينها بمثل هذه العلاقة. ولا يرد أحد بأن هذا مجتمع كافر فمثل هذه الأحداث وقعت فى ليبيا مثبتة بأحكام قضائية فالبشر هم البشر وهذه الدنيا تشبه قطارا متصل العربات ان تحركت العربة الاولى فلا بد أن تتحرك العربة الاخيرة.

magedswehli@gmail.com

طرابلس- ليبيا