متى يمضي حاضرنا؟ - Middle East Transparent


متى يمضي حاضرنا؟

السبت 19 نيسان (أبريل) 2008

يحكى أنه في سنة من السنين قررت أمريكا أن تدفن نفاياتها النووية في أحد جبال أريزونا، كانت هذه النفايات خطيرة وذات نسبة اشعاعية مرتفعة. اجتمع القائمون على مشروع "النفايات" يتفكرون في طريقة لمنع الناس المدنيين من الاقتراب من منطقة النفايات النووية. فكر الجماعة في وضع سور حديدي مرتفع وعلامات محيطة بالمكان تؤكد خطورة هذه البقعة، ولكنهم واجهوا مشكلة امكانية ازالة هذه التحذيرات الصناعية بعد سنوات عدة. فكروا كذلك في نشر معلومات عن المنطقة وتعميمها على كل أمريكا، ولكن ذات العائق، والذي يتمثل في خطورة النسيان عبر الأجيال المتعاقبة، ظل يواجههم. عليه، فكر الجماعة في اختراع اسطورة، خلق قصة مرعبة تحيط بالمكان، تتناقلها الأجيال وتبقي الجميع بعيداً عن المنطقة المحظورة، ومن يقوده عناده للمنطقة، فعليه أن يواجه مصيره النوي الأسود والذي سيتطابق والتشوهات والأمراض "الفوق طبيعية" التي سيسوق لها الجماعة كأفعال الأرواح والشياطين الملعونة التي تسكن المنطقة. تعجبني هذه القصة جداً وأجدها تلعب على أوتار أدق وأعمق مشاعر الخوف الانساني. هذه القصة تقدم لنا أعظم وأقوى وابشع أنواع أسلحة الدمار الشامل... لا عفواً، ليس السلاح النووي... انه سلاح الترهيب.

أتخيل دوماً أن مجموعة من "رجالات" الدين عندنا تحلقوا في يوم ما أسود يخططون كيف يتحكمون في الناس ويحكمونهم، فاذا بهم يتوصلون لذات الفكرة البسيطة جداً، الناجعة جداً: نرعب الناس الى أن تتحلق أرواحهم في بلاعيمهم، نسكت كل صوت عقل بصور شيطانية ليس لها الا أن تشل العقل البشري وتستحوذ على قدراته الجبارة، فيصبح الناس في قبضتنا والى الأبد. فكان أول ما اخترع لنا "علماؤنا": العذاب الدنيوي المهيب، فمن لا يطيع يبتليه الله بالأمراض والمصائب والكوارث الى أن يذل في الدنيا فيموت وحيداً مقهورا. عندما خف أثر مثل هذا الترهيب، انتقل "العلماء" جزاهم الله خيراً الى عذاب القبر المرعب، فمن تراب يزكم كل الحواس(بالرغم من موتها) الى ديدان تقرض الجلد تعذيباً (بالرغم من انتهاء الحياة فيه) الى الصور الأكثر ما فوق طبيعية: يضيق القبر، تتهشم العظام، تهبط جهنم على اللحد فتصل صرخات الميت العاصي للأحياء، تستجوب الملائكة، يتفسخ الجسد عذاباً، تحترق الأعضاء عقاباً، الى آخر أنواع عذاب القبر المروعة. وكأن كل ذلك لم يكف لاحكام قبضة موالينا على أعناقنا، جاؤوا بعدها بعذاب جهنم. الطريف في الموضوع، على ما أعتقد، أن كل أنوع العذاب الجهنمية جنسية بحتة كما هي كل أنواع أثوبة الجنان. فمن تعلق النساء تحديداً من أثدائهن وشعورهن، الى حرق العورات وما يلزمها من أن يكون الأشخاص كلهم عراة، فبالطبع فلا أحد يتصور أن يدخل العصاة الى جهنم بملابسهم. الأنكى والأمر، أن لا أحد معصوم من النار، ما عدى العشرة المبشرين بالجنة؟؟ كل نفس ذائقة العذاب ولو الى حين في جهنم، يوزع بعدها الناس جماعات وفرادى على طبقات الجنة المختلفة. أي رعب هذا؟ أي تمكين للمشايخ من رقاب الناس وحياتهم وحتى أنفاسهم؟ ألا يفسر لنا هذا الخطاب المفزع سبب استعداد الناس زهق أرواحهم لأيسر اليسير ولأكبر الكبير من أجل تفادي العقاب؟ هذا طبعاً بخلاف "اغراء" الثواب الذي يتمثل في عذراوات مليحات يطببن كل حرق وعذاب جهنمي بعد أن ينتهي العذاب وتبدأ رحلة المتعة بالنساء والخمر. ألا يفسر هذا كذلك تراكض الناس خلف مشايخهم للحصول على فتوى في أدق وأبسط تفاصيل حياتهم تفادياً لأي خطئ صغير قد يصليهم "المزيد" من التعذيب والحرائق؟ لم لم تستطع تلك المرأة في رمضان الماضي تقرير ان كان بامكانها أن تبتلع ريقها أم أن هذا سيفطرها دون فتوى تساعدها في "البت" في هذا الموضوع، فاتصلت على أحد البرامج التلفزيونية الدينية راجية فتوى شرعية؟ لم لم تعمل عقلها دقيقة؟ ببساطة، لأن العقل توقف عند حافة الخوف، انهار عند بوابات حكايات العذاب، استسلم عند انتصاب مقصلة الرعب. ما أنجعه من اسلوب: أحكم قبضتك على رقاب الناس دون أن تمد عليهم يداً، مد لسانك بالقصص، صوّر لهم عظيم العذاب الذي لم يفلح حتى هيتشكوك الاتيان بمثله في أفلامه المرعبة، تستعبد الناس أبد الدهر، تحكم وتتحكم، تجعلهم يتراكضون في الشوارع "فزعة" متى أردت، ويكنون في بيوتهم تحت لحي ونقابات ثقيلة ثقل الدهر متى رغبت. عيون زائغة وأبصار حائرة... اشواق تواقة لخمور ونساء... أعصاب متلفة من عذاب موعود لا مفر منه... هذا هو المسلم الحالي وهذه هي السيكووجية التي تبنى عليها نفسه، لله درنا جميعاً.

في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، كان القساوسة البيوريتانيين في أمريكا تحديداً يستخدمون خطة الرعب التي يستخدمها "صحبنا" اليوم لدرجة أنه قيل أن حضور الكنائس كانوا يهتزون بكاءاً ونحيباً من هول ما يسمعون، من الخوف الذي يطير بنفوسهم ويخنق أنفاسهم فلا يملكون الا عويلاً يائساً. مع امتداد الوقت أدرك القساوسة أن لتأثيرهم حداً أقصى، أن الخوف عندما يعشش في القلوب طويلاً ينقلب غضباً ويأساً حانقاً، أن الاسلوب الترويعي الذي حاولوا الاستمرار فيه مع دنو الدولة المدنية العلمية الحديثة كان... مستحيلاً، وقد بدأت آثاره السلبية تطغى بكثير على آثاره الايجابية بالذات عندما أصبح "المروعين" مادة لضحك وتندر الناس لعدم تطابق الطرح وعقلانية الوقت والزمن. تطورت أنظمة الدول الغربية من الأنظمة الدينية الى الأنظمة العلمانية وانقلب الخطاب الديني التهديدي الى خطاب محبة وسلام وادارة الخد الآخر. وأصبح القساوسة يؤكدون على أن الرب يحب خلقه وان لم يؤمنوا به، فكان لهذا الخطاب الأثر الأكبر في اجتذاب الناس في الدولة الحديثة مقارنة بالاسلوب الترويعي للزمن الغابر.

متى يصبح زمننا غابراً يا رب؟؟

ebtehalahmad@hotmail.com

* كاتبة كويتية