العمل عبر الأمة وليس الدولة(١-٣) - Middle East Transparent


العمل عبر الأمة وليس الدولة(١-٣)

الاثنين 26 أيار (مايو) 2008

في الإخوان فريق يدعو لأن تكون هيئتهم «هيئة دعوية»، تعتني بالدعوة وليس بالسياسة، وتصور البعض أن هذا يجعلها جمعية خيرية تعني بزيارة المرضي ودفن الموتى وتحفيظ القرآن وتقديم المساعدات والإعانات في ظروف المرض والحاجة.. إلخ.

وهذا ليس صحيحًا.

فعندما تكون هيئة ما «دعوية» فإنها لابد أن تكون لها «دعوة»، ويمكن أن نقول بلغة العصر «نظرية»، ودعوة الإخوان هي الإسلام وعنه تنبثق غاياتها ووسائلها، وقد وضع الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ وسيلة ذلك بالعناية بتكوين الفرد المسلم الذي يتجسد فيه الإسلام خلقاً وفكرًا وعقيدة، ثم الأسرة المسلمة التي يتولاها هذا الفرد بحيث تصبح «خلية» مسلمة ثم مجتمع هذه الأسرة كالحي مثلاً الذي ينشأ نتيجة لوجود هذه الأسر المؤمنة وتسير العملية حتى يعم «الأمة».

نلحظ هنا أمرين :

أولاً : أن الدعوة توجه إلى «الناس»، لأنهم هم الذين يحملونها وهم الذين يطبقونها.

وثانيا : أن الوسيلة هي الحكمة والموعظة الحسنة وهي الوسيلة المثلي لنشر العقيدة أو «النظرية» والتي اتبعها الرسول، وكل الأنبياء، والتي من أجلها كانت الأديان دعوة «هداية» تعمل لتحقيق هذه الهداية من خلال الجماهير.

وإذا أردنا صياغة فكرة حسن البنا بأسلوب عصري لقلنا إنها كانت «بناء الإنسان» سواء كان هذا الإنسان فردًا أو مواطناً أو أبًا أو زوجًا أو ممتهناً لحرفة.. الخ، فكل هذه المواضعات تعود إلي الإنسان الذي إذا بني على أساس سليم فإنه ينهض بها كلها بكفاءة، وبهذا تستقيم الأمور، ويمكن أن نقول إن كل جهد يبذل في هذا السبيل هو «سياسة» بالمعنى العام، وليس بالمعنى الحزبي أو السلطوي.

هذه الطريقة - تركيز العمل على الأمة - تختلف عن طريقة الأحزاب التي تكون لها «نظرية» سياسية «رأسمالية أو اشتراكية أو فاشية».. ولا توجه دعوتها للشعب عامة، ولكن لمجموعة تتفق مصالحها وأوضاعها مع نظرية الحزب وتستهدف الوصول إلى السلطة، وقد يكون هذا الوصول بالثورة أو بالانقلاب أو بطريقة «دستورية» طبقاً لنظريتها، وعن طريق السلطة تحقق أهدافها.

هذان أسلوبان مختلفان تمامًا، ليس فحسب في وسائلهما، بل في روحهما وأهدافهما، الأول يستهدف الهداية ويتعامل مع الأمة ويستخدم وسائل ذلك من الإقناع والحكمة والموعظة الحسنة حتي يكلل هذا «بالإيمان» والثاني يستهدف «السلطة» ويرتكز علي الحزب ويستخدم «سيف المعز وذهبه»، أي وسائل الدولة من قهر بالبوليس والسجون.. الخ، أو إرشاء بالمناصب والمال.

يمكن أن نقول إن كلاً من الهيئة الدعوية والحزب يعمل لتحقيق تغيير، ولكن أسلوب ذلك مختلف، فهو في الهيئة الدعوية يعتمد على الأمة، أي عندما تصبح أغلبية الأمة مؤمنة بالدعوة، لا ينقصها إلا «تصديق» الدولة، وهذا ما تصل إليه الدعوة عندما يضغط المؤمنون بها على سلطة الحكم لتحقيق ما وصلت إليه وهذا أيضًا يتم بطريقة تلقائية وشرعية، سواء أدارته الهيئة الدعوية أو انطلق تلقائياً بحكم إيمان المؤمنين وأنهم الأغلبية.

أما في الحالة الثانية - حالة الحزب - فإن التغيير يتم عن طريق ممارسة جهاز الدولة من ترغيب أو ترهيب أو قوانين تعطيها الحق بصرف النظر عن إيمان أغلبية الأمة، التي قد تكون مغيبة أو مشتتة أو أن عنصر «الأقلية النشطة» يعمل في جو يفتقد التنظيم والمواجهة، فإذا كانت هناك أحزاب لها كيان وقوة فهنا يحدث الصدام ما بين الأحزاب، وقد تتفق لتكون «وزارة ائتلافية» تشكل وزارة «الإخوة الأعداء».

إن أي هيئة «إسلامية» لابد أن تكون دعوية ولابد أيضًا أن تحذر من التورط في السلطة لأن السلطة هي مجمع عوامل الفساد من إرهاب أو إغراء.

وقد كان «اللبس» الذي قاد الهيئات الإسلامية إلى الدولة هو لبس دولة إسلامية تكون علي غرار الخلفاء الراشدين أو علي الأقل تعمل لتطبيق الشريعة.

إنها مجموعة «التباسات»، فلم يؤسس المسلمون بقيادة الرسول «دولة المدينة» استجابة لجزء من تعاليم الإسلام، لأن المدينة نفسها كانت قد «فتحت بالقرآن»، كما قالت عائشة : إن الرسول أرسل مصعب بن عمير ليعلم الذين آمنوا بالإسلام واستطاع مصعب بإيمانه، وبالطبع بما في القرآن من تأثير، أن يكسب إيمان معظم الأنصار حتي «فتحت المدينة» بالقرآن، وهذا الفتح الذي تم دون سيف، ولا سنان، ولا وسائل سياسية، كان في أصل كل التطورات «السياسية» التي تلته.

كان منطق الأحداث يدفع بالرسول ليخلص من أعدائه ليذهب إلى أنصاره، فهاجر إلى المدينة، ووجد هناك شعبًا ينتظره، وأسس الرسول في المدينة «مجتمعًا» منظمًا فيه بعض قسمات الدولة، ولكن دون أن يكون فيه أبرز هذه القسمات التي توجد في كل الدولة بالاصطلاح المعروف،

وهو أن يكون لها جيش، وبوليس، وسجون، وأن تفرض الضرائب، فلم يكن في المدينة شيء من هذا، وأهم من هذا كله أنه كان على رأسها رسول يوحي إليه من السماء ويصحح الوحي اجتهاداته بقدر ما يجعل سلطته العظمي تنبع من «الإيمان» به كرسول وليس كحاكم.

هذه كلها «مواصفات» انفردت بها «دولة» المدينة، فإذا قيل رغم هذا إنها كانت دولة فيمكن القول إنها دولة فريدة، ليس لها مثيل، ولا يمكن القياس عليها.

قد يقولون: ودولة الخلفاء.

الشيء نفسه يقال عليها، إن سياق الأحداث هو الذي أدي إليها، فلم تقم بناء على عهد من الرسول، وإنما قامت لأن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ليولوا كبيرهم سعد بن عبادة وعلم أبو بكر في آخر لحظة فهرع إليهم واستطاع بكياسة أن يوضح لهم أن العرب لا يستجيبون إلا لهذا الحي من قريش وتجاوبوا معه، وبايعوه.

كانت سقيفة بني ساعدة «فلتة» أنقذ الله المسلمين منها بفضل كياسة أبي بكر، وعندما مرض أبو بكر واستشعر نهايته أراد أن يقي المسلمين شر اختبار رهيب قد لا يخلصون منه كما خلصوا من سقيفة بني ساعدة، فاستشار كبار المسلمين في أفضل من يأتي بعده، وأشار الجميع بعمر.

وبذلك ختم أبو بكر حياته بأن أنقذ المسلمين للمرة الثانية، وتولى عمر وفي عهده ظهرت بعض قسمات الدولة، ولكن في الساعة التي طعن فيها عمر طعنت الخلافة الراشدة، لأن عثمان لم يسلك مسلك الشيخين،

وكانت حوله بطانة سيئة من بني أمية فقتل وهو يقرأ المصحف، وعندما أراد علي بن أبي طالب إعادة الخلافة إلى ما كانت عليه قتل، وفي سنة ٤٠ هجرية قام معاوية بن أبي سفيان بتحويل الخلافة إلى ملك عضوض واستخلف ابنه يزيد الذي جاء بزياد ومانفيستو الإرهاب الذي أعلنه في خطبته البتراء وتوعدهم «حتى يقول الناس : انج سعد فقد هلك سعيد»،

ولما مات جاء عبد الملك وجاء بالحجاج وخطبته المشهورة «أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها وإني صاحبها»، وطويت «خلافة بني أمية» ليظهر «السفاح» أول خليفة عباسي ومعه أبو مسلم الذي كان يقتل كل من زاد على خمسة أشبار وشك فيه، وطوال مدة الخلافة من سنة ٤٠ هجرية حتى ألغاها مصطفي كمال وقد وليها ترك وفرس وديلم ومماليك وبربر،

ولم يكن فيها من قسمات الخلافة شيء، وإنما هو الملك السلطوي الاستبدادي الوراثي أو الغصب، وإذا ضمت شيئاً من الأمجاد، فلم يكن هذا بفضلها وإنما رغمًا عنها بفضل قوة الإسلام، وأما أنها نشرت بسيفها الإسلام، فقد نشرت الطرق الصوفية والتجار الإسلام أكثر، وأبقى مما نشره السيف.

فالكيان الإسلامي في المدينة الذي أطلق عليه «دولة» لم يكن مستكملاً كل مقومات الدولة، وقد ظهر بدواعي السياق التاريخي للأحداث، وليس لأن ذلك جزء من الدين الإسلامي ,

أما فكرة أن الدولة هي الجهاز الذي يطبق الشريعة، فهذا لا يكون إلا بعد تعميق العقيدة بها في الأمة بحيث تكون مطلبًا جماهيريا تضطر الدولة للاستجابة إليه تحت ضغط الجمهور، وعندئذ يشترك الجمهور في وضع الشريعة وفي مراقبة تطبيقها حتى لا تفسدها أجهزة الدولة أو تستغلها السياسة أو تقدم صورة شائهة للشريعة كالتي قدمتها طالبان والتي تقدمها السعودية.

والشريعة بعد في جوهرها «العدل» فحيث طبق العدل، فقد طبقت الشريعة، وقد تكون الشريعة مطبقة في سويسرا التي ترفع علمًا عليه الصليب أكثر مما هي مطبقة في دول إسلامية.

القاهرة