لصوص ومغفلون: "بين إسلام بحيري وجمال البنا" - Middle East Transparent


لصوص ومغفلون: "بين إسلام بحيري وجمال البنا"

الخميس 11 أيلول (سبتمبر) 2008

يقول الكاتب المسلم شانافاس(T.o Shanavas9) وهو فيزيائي من ولاية ميشيغان): سألني مرة صديق مسيحي، إن كنت سأزوّج إبنتي ذات الأعوام السبعة، لرجل في الخمسين من عمره. أجبته بالصمت. إستمر وقال: إذا كنت لا تريد ذلك، فكيف تقبل زواج الطفلة البريئة عائشة إبنة السبع سنوات، من النبي. قلت له بأني لا أملك إجابة. إبتسم صديقي، وترك في قلبي جرحا. ( انتهى)

الترجمة أعلاه إقتبستها من نص للكاتب شانافاس نشره أول مرة عام 1999م، بعنوان: هل كانت عائشة عروساً وهي في السادسة؟ يمكن مراجعته بالإنكليزية على الرابط:

http://www.ilaam.net/Articles/Ayesha.html

http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=35802&SecID=125&IssueID=24

قد يبدو الأمر عاديا، فالقصة أصبحت علكة يمضغها كل عابر إنترنت. لكن الأمر قد يهم الأستاذ (الباحث) إسلام بحيري، صاحب (البحث) الذائع الصيت، في مجلة (اليوم السابع) بعنوان: "زواج النبى من عائشة وهى بنت 9 سنين.. أكذوبة!" يمكن قراءته أيضا على الرابط التالي:

http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=35802&SecID=125&IssueID=24

لكن قبل الإسترسال بالموضوع، وقبل توجيه تهمة عدم الأمانة العلمية والأدبية أو فتح سجال حول السرقة والسطو والنهب، وبناء أمجاد زائفة على أكتاف الغير أود تسجيل ما يلي:

أولا: السرقة عموما هي إدعاء ملكية ما لا تملك، وفي الأعمال الكتابية، هي إستيلاء على أفكار وجهود بحثية وإمتلاكها باعتبارها جهداً وإبداعاً ذاتياً، دون الإشارة إلى أصحابها الحقيقيين.

ثانيا: فكرت طويلا بإلتزام الصمت، سيما وأن السيد بحيري شاب في مقتبل العمر، والأيام كفيلة بتعليمه ما فاته. وقد يكون الصمت نوعا من الصيام كما تخبرنا الرواية الدينية، في قصة زكريا، وطريقا للتصوف والزهد. وقد كان بالإمكان رفع القبعة تحية لهذا الشاب الطموح، أسوة بالمجتهد الإسلامي المعروف جمال البنا، الذي كتب مديحا صحفيا له بعنوّان: "صحفى شاب يصحح للأئمة الأعلام خطأ ألف عام"(1). لكني أعلم أن (صياما مجازيا) قد يصبح مشاركة ضمنية في الإثم، فالنحل والتزوير في تاريخ البشرية (كما يقول بعض النقاد) نشأ من خلال صمت وتواطؤ جمعي، فرضته إرادات سياسلطوية، بمشاركة (مقصودة وغير مقصودة) لمفكرين وكتاب، لم يجرؤوا على معارضة الذائقة الجمعية لعصرهم.

ثالثا: على المستوى الشخصي، أجد الجدل في موضوع عمر زواج السيدة عائشةأمرا ثانويا، ولا يمكن تحديده في ضوء الكرونولوجيا الإسلامية. فالإخباريون صنعوا لنا صورة مشوّشة ومتناقضة فرضت جدارا سميكا حجب أمامنا الرؤية، وهذا أمر منطقي وبديهي، سببه ظروف إنتقال الرواية من طورها الشفهي إلى الكتابي، مما حدا ببعض الباحثين (أمثال الألماني شاخت) إلى رفض الرواية الشفهية برمتها. وبهذا يكون قد اقتدى بموقف المعتزلة من جماعة النقل، أو بموقف حركة القرائين اليهود من أحاديث الميشنا.

وعودة إلى موضوع الأستاذ إسلام بحيري (وبحثه) المدوّي، أعيد عليكم الحكاية من أولها: قبل حوالي ثلاثة أعوام، وبينما كنت أتصفح مجلة ورقية ألمانية، إسمها نجمة الصباح Der Morgenstern (العدد 10 عام 2005) يُصدرها بعض المتأسلمين الألمان وقع نظري على بحث مترجم من الأنكليزية، أعده (عبدالله فرانك بوبنهايم)، وهي عينها مقالة شانافاك المنوّه عنها أعلاه. وأتذكر أن زوجتي، أعربت عن فرحتها وإعجابها ودهشتها بهذا البحث المنسق، والأدلة البحثية الرصينة (التي قد ترفع الضيّم عن الإسلام) وهذا أمر طبيعي في سياق تقاتل الثقافات والهويات (والذي يستفحل عند مسلمي أوروبا وأمريكا، أكثر من غيرهم، لما يعانوه من إغتراب نفسي ومادي ووجداني، مقابل نظرات البغضاء والعنصرية وأجواء الكراهية التي ولدتها حقبة ما بعد 11سبتمبر وحرب العراق).

وبمرور الزمن نسيت القصة بأكملها (ونسيّت إسم الكاتب والمترجم) خصوصا أن ذاكرتي أصبحت مثقوبة (مثل أباريق الوضوء في جامع الكيلاني في بغداد). وعندما قرأت بالصدفة مقالا منشورا في إيلاف، للدكتور خالد منتصر بعنوان: هل أصبح الدفاع عن البخاري أهم من الدفاع عن الرسول؟(2) وقرأت المانشتيات العريضة للمقالة: "الهجوم على الباحث الذى أنكر زواج الرسول من عائشة فى سن التاسعة، وأثبت زواجها فى سن الثامنة عشرة. الأزهر أنكر هذا البحث خوفاً على البخارى، والدعاة صمتوا خوفاً على مصالحهم"، في الحال تذكرت القصة، وقلت في نفسي: العرب يأتون متأخرين دائما (أو لا يأتون)، هذا بحث قديم، قرأته قبل أعوام. ولفرط سذاجتي، إعتقدت أن السيد بحيري هو نفسه صاحب المقال (الذي طواه النسيان) وقلت: ربما يكون أحد الباحثين الذين عرفهم الغرب وترجم لهم. لكن الفضول دفعني لقراءة المقالة في مجلة (اليوم السابع) وكم كانت الصدمة، فتاريخ نشر المقالة هو: 14 أغسطس عام 2008! حينها سألت زوجتي إن كانت تتذكر ما قرأناه قبل أعوام، حول إشكالية عمر زواج السيدة عائشة. أجل، لقد تذكرت القصة فورا (وتذكرت أيضا لون القميص الذي ارتديته وقتها، وماذا طبخت في ذلك اليوم .. يا إلهي أية ذاكرة تملكها حواء!!) وبعد لحظات، أتت لي بالمجلة الألمانية المذكورة.

نتيجة:

بعد مراجعتي للنص الذي ترجمه عبدالله بوبنهايم للغة الألمانية، تبين لي أنه قدم ترجمة حرفية أمينة للنص الإنكليزي، الذي كتبه السيد ت.و. شانافاس، تتصمن كل المراجع التي إعتمدها الباحث وأرقام الصفحات .أما البحث الذي نسبه لنفسه الأستاذ إسلام بحيري فهو إقتباس كامل لكل الأفكار الواردة في نص شانافاك أو ترجمة (بتصرف) لجل المقاطع فيه وأحيانا إلتفاف وإحتيال على المضمون خصوصا في المقاطع (التي لا توافقه أو تركها لعسر لغوي).. السيد بحيرى لم يخبرنا عن مراجعه بالتفصيل، بل اكتفى بالقول في مقدمة مقاله حرفيا: بالاستناد لأمهات كتب التاريخ والسيرة المؤصلة للبعثة النبوية (الكامل- تاريخ دمشق - سير اعلام النبلاء - تاريخ الطبرى - البداية والنهاية - تاريخ بغداد - وفيات الأعيان, وغيرها الكثير)، وهذا أسلوب رديء يتضمن نيّة مبيّتة للإحتيال.. أما السيد شانافاك فقد اتبع أصول المنهج العلمي وهاكم بعض الأمثلة:

1ــ في موضوع الطعن بمصداقية عروة إبن هشام (ناقل حديث البخاري ـ باب تزويج النبى عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها-3894) يورد الكاتب مصدرين هما: تهذيب التهذيب، لإبن حجر العسقلاني دار التراث الإسلامي، مجلد 11 صفحة 50. والآخر هو ميزان الإعتدال للذهبي، المكتبة الأثرية، باكستان، المجلد الرابع، ص: 301. أما السيد بحيرى فيكتفي باقتباس الأفكار كاملة دون الإشارة إلى مرجعيتها، إلا بكلام عمومي غائم.

2ــ في سياق تخبط روايات الطبري عن عمر السيدة عائشة.. يذكر شانافاك المرجع وهو: تاريخ الملوك، مجلد 4، 50، دار الفكر ـ بيروت 1979م. وبالمقابل فإن بحيري ينقل نفس الموضوع دون ذكر المرجع.

3ـ أما عن مقارنته بعمر أسماء بنت إبي بكر،(وما ترتب عليه من خلاصة مفادها أن عمر عائشة كان 18 عاما يوم زواجها ) فيحددها شانافاك بإبن كثير، البداية والنهاية مجلد8، ص: 371 دار الفكر العربي 1933م، وكذلك تقريب التهذيب لإبن حجر العسقلاني ص:654.. أما الأستاذ بحيري فيلوح للقارئ بأنه أرخميدس زمانه الذي صرخ "وجدتها وجدتها"!

4ـ في سياق المقارنة بعمر فاطمة يخبرنا شانافاك عن مصدره وهو: الإصابة في تمييز الصحابة ، ابن حجر ، ص: 377 مكتبة الرياض الحديثة 1978م.. إلخ. أما السيد إسلام بحيري فكان منهمكا في إستنساخ معلومات شانافاك ونهب محتوياتها بدون رحمة (يمكن مقارنة النصين كما وردا في الرابطين أعلاه). وكي لا أطيل عليكم، أرجو من الباحث (الذي لم يبحث قط) أن يذيّل مقالته بجملة إضافية تقول: قمت بالترجمة والإقتباس عن ت.و. شانافاس. وبهذا يكون قد احترم نفسه واحترم من يكتب إليهم واحترم حقوق الآخرين.

ملاحظات: 1ـ إذا كان الإحتيال والنصب هو سمة لعصر الإنترنت، فما بالك بالأزمنة الضبابية للتاريخ.

2ـ أو لفت الإنتباه في سياق هذا الجدل إلى أن الإسم العربي للسيدة عائشة، هوإشتقاق دلالي من أصل كنعاني(ءيشه) ومعناه "إمرأة" وهو من أسماء الأم "حواء". لهذا تكنى السيدة عائشة "بأم المؤمنين" وهي أم منظومة الحديث الإسلامي. وبهذه اللفتة أرجو النظر إلى رمزية الحدث التاريخي، والخروج من حالة التجسيد المبتذل للتاريخ.

هوامش:

http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=35691

http://www.elaph.com/Web/ElaphWriter/2008/8/361613

مدوّنة نادر قريط