عندما وضع سعيد عقل ثلاثة أناشيد لثلاث قوميات! - Middle East Transparent


عندما وضع سعيد عقل ثلاثة أناشيد لثلاث قوميات!

الثلاثاء 10 شباط (فبراير) 2009

كتب جهاد فاضل:

كتب الشاعر اللبناني سعيد عقل ثلاثة اناشيد لثلاث قوميات: كتب نشيداً للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يقول بقومية سورية. وكتب بعد ذلك بسنوات قليلة نشيداً لجمعية العروة الوثقى في جامعة بيروت الاميركية التي كانت تضم المؤمنين بالقومية العربية من اساتذة وطلاب الجامعة المذكورة. وامضى حياته فيما بعد ينوّع على نشيد واحد «القومية الفينيقية»، ان صح ان هناك قومية فينيقية.

وتفصيل ذلك، كما تحققته بنفسي، ان سعيد عقل، الشاعر الزحلاوي الشاب، انتسب في بداية العشرينات من عمره الى الحزب السوري القومي. وعندما اعلن انطوان سعادة زعيم الحزب عن رغبته بان يكون لحزبه نشيد، كتب سعيد عقل مشروع هذا النشيد وقدمه لزعيم حزبه. يقول سعيد عقل في هذا النشيد الذي نُشر اخيراً، وبخطه:

صخبُ البحر ام الموجُ السخيّ

ام بلاد تملأ الدنيا دويّ

سوريا - يقظةٌ ملء المدى

بسمةٌ ملء الربيع

سوريا فوق الجميع

ولكن زعيم الحزب رفض اعتماد هذا النشيد لسبب جوهري هو ان الشاعر يقول فيه «سوريا فوق الجميع».. وهي عبارة تستدعي الى الذهن برأيه عبارة هتلر الشهيرة يومها: «المانيا فوق الجميع». ولان الحزب السوري القومي كان بنظر الكثير في لبنان وسوريا، في تلك المرحلة، مجرد صدى محلي للحزب النازي، حزب هتلر، فقد خاف سعادة من ان يقول الناس: «من فمك أُدينك».. اي ان حزبك هو عبارة عن فرع لبناني وسوري للحزب الام.. وهكذا رفض سعادة فور الاطلاع على نشيد سعيد عقل ان يعتمده نشيدا لحزبه، وعكف بنفسه على نظم نشيد الحزب خلال وجوده في السجن، زمن الانتداب الفرنسي على لبنان، رغم انه لم يكن شاعراً.

انسحب سعيد عقل من الحزب السوري القومي بعد سنتين تقريبا من انتسابه اليه ليتعرف بعد ذلك بسنوات، وعلى التحديد في عام 1939، الى شبان عروبيين من جامعة بيروت الاميركية طلبوا منه ان ينظم نشيدا لجمعيتهم ذات النزعة العروبية الواضحة. كان سعيد عقل في تلك الفترة يتردد الى مطعم فيصل الواقع تجاه مدخل الجامعة الاميركية مباشرة. في هذا المطعم، وعلى فنجان قهوة، تعرف اليه شباب «العروة» وطلبوا منه ان يكتب نشيداً لجمعيتهم، ففعل، وكتب النشيد التالي:

النسوْر

ولنا الملعبُ

والجناحان الخضيبان بنوْر

العلى والعربُ

ولنا القولُ الأبيّْ

والسماحُ اليعربيّْ

ولا شك ان كلمات هذا النشيد جميلة، وأجمل ما فيها انها تلخص تاريخ العرب، وفتوحهم، وأمجادهم، أفضل تلخيص: العلى والعرب، والقول الأبي، والسماح اليعربي، والسلاح والرماح، خصوصا صهلة الخيل من الهند الى الأندلس.. وهو ما لا أعتقد ان عربيا لو أراد ان يقدّم تاريخ أمته، ويذكر مكارمها، بامكانه ان يقوم به على النحو الذي قام به سعيد عقل في هذا النشيد. لقد نفذ الى اعماق تاريخ العرب، وتمثل امجادهم وايامهم افضل تمثل.

ومن الصعب، استنادا الى كل ذلك، اعتبار ان الشاعر كان مجرد وصّاف من الخارج، او بائع أناشيد.. ففي الكلمات ما يشي بصدق القول، وبالاقتناع الوجداني، وبما يفيد ان الشاعر يوم كتب هذا النشيد ان لم يكن قوميا عربيا مائة في المائة، فلا شك انه جاور القومية العربية، وأُعجب بها، وتطلع اليها بحبّ، قبل ان ينسحب منها فيما بعد باتجاه المرافئ الفينيقية اللبنانية.

بعضنا يتذكر الآن قول أبي العلاء المعري: رُبّ قبرٍ قد صار قبرا مراراً.. أي رُبّ مشاعر قومية أو وطنية مرّ بها الشاعر، او تعاقبت على الشاعر، في مرحلة تاريخية لبنانية قلقة خلالها حار الناس في هويتهم: فهل هم سوريون، أم لبنانيون، أم عرب.. واذا كانوا لبنانيين فإلامَ تنتمي هذه اللبنانية، وما هو أصلها؟ وقد كان سعيد عقل واحدا من هؤلاء الذين عانوا وتساءلوا. انتسب في البداية الى الحزب السوري القومي، ليتقرب، وبدون ضجة، من مطعم فيصل ومنطقة الجامعة الأميركية في بيروت التي كانت معروفة بكثرة طلابها العرب والعروبيين في آن، في هذه المنطقة يتعرف سعيد عقل الى العروبة ليُعجب بها على النحو الذي ذكرناه ولكن ليغادرها سريعا، ربما بسبب التباسها بالاسلام، الى محطته التي رسا عليها طيلة حياته اللاحقة.. محطة اللبنانية والفينقية، او ــ في الواقع ــ محطة زحلة المدينة المسيحية وسط سهل البقاع التي شهدت المذابح بين الموارنة والدروز في عام 1860 وما يليه. سعيد عقل، تأسيسا على ذلك، شاعر مسيحي دون ان يقول ذلك صراحة، وضع على وجهه، أو على شعره قناعا اختبأ وراءه، اسمه لبنان، او فينيقيا، ولكنه قناع لا يصعب على دارسه ان يهتدي اليه او الى اسمه الحقيقي، وعلى ذلك آثر الشاعر، بعد ان احتدم في داخله صراع هويات ثلاث. هوية القومية السورية، وهوية القومية العربية، والهوية المسيحية اللبنانية، الهوية الأخيرة على الهويتين السابقتين، وكأنه بذلك ينتصر للخوف الكامن في داخله كفرد من افراد اقلية تجرعت بنظره، عبر التاريخ، كل اصناف الاضطهاد على يد الولاة العثمانيين وغير العثمانيين!

نقلاً عن القبس الكويتية