عن حرب يونية 1967(1) - Middle East Transparent


عن حرب يونية 1967(1)

الأربعاء 11 شباط (فبراير) 2009

عرفت محمد حسنين هيكل فى غرفة توفيق الحكيم بمبنى جريدة الأهرام. فقد كان هيكل كثيرا ما يصعد من حجرته فى الطابق الرابع إلى غرفة الحكيم فى الطابق السادس، وكان ذلك غالبا ما يصادف وجودى مع الحكيم. وبعد ذلك، وفى عهد السادات وبعد أن ترك هيكل منصبه فى جريدة الأهرام التقيت به أكثر من مرة، فى نادى الجزيرة، حيث كنت رئيسا للنيابة أمارس رياضة المشى مع أحد وكلاء النيابة فى الصباح الباكر، وكان هيكل يتأهب للعب الجولف أو يمسك بعصاه، وكنا نتصافح فى كل مرة. وشاهدته بعد ذلك فى مناسبات قليلة، لكن لم يتعد الأمر المصافحة، ولم يدر بيننا حديث قط.

كانت علاقتى بتوفيق الحكيم قد توطدت منذ الستينيات، وهذا ما يظهر جليا وبوضوح من التقديم الذى أصرّ هو على تحريره ونشره فى كتابى الرابع "حصاد العقل" وفيه يذكر أن "محمد سعيد العشماوى" أصبح واحداً منا. وقد واصلت هذه العلاقة وعمقتها أحاديثنا المتصلة فى القاهرة وفى الأسكندرية وفى باريس. وكنت أتوجه إلى مكتبه كثيرا – بناء على رغبته – ثم أصحبه فى سيارتى إلى مسكنى كل يوم خميس حيث نتناول طعام الغداء، ونستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية، ونواصل أحاديثنا التى كان الحكيم يُسرّ منها ويسعد بها، حتى لقد أراد أن يتخذنى إبنا له بالمصاهرة، كما رغب أن يقيم معى فى مسكنى إقامة دائمة، لجو المعيشة الذى أحبه، وللحديث المتصل فى كل جوانب الحياة، والذى كان يأنس له ويرتاح إليه.

وكنت أعرف منه تفاصيل كثيرة، عن حياة الدارسين فى باريس فى العشرينيات، وذكريات خاصة وعامة وقعت وأنا طالب فى المدارس الإبتدائية والثانوية وفى الجامعة. وهذا ما كنت أحرص أن أعرفه – حتى تتسع معلوماتى وتتعمق حياتى بتجارب الآخرين وحيواتهم. وعرفت الكثير من فؤاد سراج الدين (باشا) ومحمد صلاح الدين (باشا) وإبراهيم فرج (باشا) وحرمه الفاضلة ومحمد هاشم (باشا) وعبد المجيد بدر (باشا) ومن شيخ الصحافة مصطفى أمين ومن عميد المسرح العربى يوسف وهبى (بك)، ومن الدكتور رشوان فهمى طبيب العيون ونقيب الأطباء الذى كان لصيقا بالضباط الإنقلابيين حتى انقلب عليه عبد الناصر وفرض عليه الحراسة، وآخرين غيرهم.

كان مما حكاه لى الحكيم بعضا عن هيكل، وكيف كان يحرص على أن يتناولا معا طعام الغداء، أيام أن كانا يعملان معا فى جريدة "أخبار اليوم"، وكيف أن هيكل كان حريصاً على أن يصغى إلى معلومات الحكيم عن الفن والمسرح والثقافة، ومنها ما ذكره له عن المسرحى الإيطالى لويجى براندللو فى مسرحيته (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) وهو ما حرره هيكل فى كتاب فلسفة الثورة، لكن حدث خطأ فى الطبعة الأولى من الكتاب فذُكرت المسرحية باسم (ستة شخصيات تبحث عن ممثل) ثم حدث التصحيح فى الطبعات التالية، وكذلك ذكر لى ما دار بينه وبين هيكل عام 1964 عند نشر مسرحية الحكيم (بنك القلق) إذا أبلغه رسالة طلب منه نقلها إلى عبد الناصر، وكذلك ما حدث بالتفصيل الدقيق عندما أصدر عبد الناصر قرارا بتشكيل وزارة عيّن فيها هيكل وزيرا للإعلام، وقد كان هو شديد الحرص على بقائه فى جريدة الأهرام. ومن ثم، وعلى الرغم من طبيعتى التى لا تميل إلى تعقب الناس فى حيواتهم الخاصة، ولا تقصد إلى ما يعتبر غيبة وما يُعد نميمة، أى ذكر الغير عموما بما يسىء إليه، فقد قرع سمعى الكثير جدا من تفاصيل الحياة السياسية والإجتماعية والفنية، وتصرفات الغير وأخلاقياتهم، وأنا أهدف فى الحقيقة إلى معرفة مسائل عامة أو جوانب سياسية أو ثقافية أو وطنية.

لكل أولئك لم أقصد أبدا أن أرد على محمد حسنين هيكل فيما يكتبه أو يدردش به (ويسميه أحاديث أو خلاصة تجربة)، رغم وجود تحفظات لى عليها جميعا؛ لكن حدث بطريق المصادفة أن كنت أقلّب فى قنوات التلفاز بحثا عن برنامج معين فشاهدت هيكل وهو يتحدث (أو بالأحرى يدردش) عن تأميم قناة السويس فظننت أنه سوف يرد على ما كتبته أكثر من مرة عن ذلك، وأن التأميم لم يكن فى حقيقته إلا إستيلاء على المجرى الملاحى للقناة وعلى مبانى هيئة قناة السويس، لكن المحصلة النهائية له والوصف القانونى الصحيح أنه إنتهى إلى شراء الرئيس المصرى، من بورصة باريس وبثمن غال جدا، بعض الاسهم التى كانت فى أيدى حملة الأسهم من الأجانب وأغلبهم فرنسيين، ثم دفع تعويضا كبيرا عما بقى من أسهم كانت تملكها الحكومة البريطانية، أو غيرها. فضلا عن أن هذا الذى سُمىّ تأميماً انتهى إلى إعطاء اسرائيل، سرا لم يعلن إلى الشعب المصرى والعربى، حق المرور فى خليج العقبة ومضايق تيران. ولما أراد الرئيس المصرى جمال عبد الناصر – تحت تأثير هجوم بعض وسائل الإعلام العربية عليه عام 1967 – أن يُلغى علنا ما منحه سرا، أغلق خليج العقبة ومضايق تيران، فوقعت حرب 5 يونيو 1967 التى استرد بها الإسرائيليون هذا الحق، وحققوا مكاسب كثيرة، وأنشأوا أوضاعا جديدة لم تزل العرب عموما والفلسطينيون خصوصا يعانون منها معاناة شديدة، سوف تستمر لمدة قرنين من الزمان على الأقل. لذلك اضطررت إلى كتابة وجهة نظرى المدعومة بما استطعت أن أصل إليه من مراجع، ونشرت ذلك على أربع حلقات على موقع إيلاف الألكترونى تحت عنوان "عن تأميم قناة السويس". ثم حدث مرة أخرى بمحض الصدفة – مساء يوم الخميس 11 ديسمبر 2008 - أن كنت أقلّب فى قنوات التلفاز بحثا عن برنامج وثائقى معين، فشاهدت هيكل وهو يتحدث (يدردش) عن حرب 5 يونيو 1967، فتابعت ما قاله فى تلك الليلة، وبعد ذلك، وأنا أمسك بالورق والقلم لأكتب مما يقول ما أستطيع أن أفهم منه حقائق أُخفيت عن الشعب العربى والمصرى عن تلك الحرب، لكن الأمر انتهى بى إلى التعليق على حديث هيكل (الدردشة) فى هذه المقالة وفيما سوف يتبعها.

من هذا ومن غيره، يلوح أن ما نسميه مصادفة (chance) قد يكون فى الحقيقة قاعدة أو قانونا أو نظاما كونيا، لا نفهم حتى الآن أسبابه ودواعيه ؛ لكنه يقع وفقا لترتيب معين وتنظيم خاص، ليكون اتجاها فى الحياة أو واقعا فى الوجود، الفردى أو العام، سواء بسواء.

بعد هذه المقدمة التى لم يكن منها بد، حتى لا يتصور أحد، أنى أتعقب هيكل أو أهدف إلى تجريح أقواله، أؤكد على طبيعتى التى صقلها العمل القضائى فى أنى أنزع إلى الموضوعية وأهدف إلى الحقيقة، خاصة فى مسائل تهم شعوبا بأكملها ولم تزل آثارها عمالة فعالة، وسوف تظل كذلك أمدا طويلاً.

i. رأيى فيما يسميه هيكل حديثا أنه دردشة (أى الحديث الخفيف الذى قد يقطع به البعض الصمت، يراجع فى ذلك المعجم العربى الأساسى: مادة دردشة)، ورأيى هذا سبق أن أبديته تفصيلا فى مقالاتى (عن تأميم قناة السويس). فهو ينتقل من جملة إلى جملة من قبل أن يستكمل الأولى، وهو يقفز فوق المواضيع، ويبالغ فى قوله (أنا) بمناسبة وبدون مناسبة، ويتعمد تشتيت إنتباه المشاهد أو السامع بعدم اتباع أسلوب محدد واضح، ومرتب منتظم، ومتتابع مُطّرد فيما يدردش به. هذا فضلا عن إسرافه الشديد فى قوله فلان هذا أعرفه، وهذا شرفنى بالغداء فى منزلى أو فى مزرعتى، وفلان كتب لى إهداء كتاب له. مع أنه كصحفى وكان قريبا من عبد الناصر، كانت لديه فرص التعرف على كبار يُجرى معهم أحاديث، أو كانوا يرغبون فى لقائه كى يعرفوا منه أو ينقلوا عبره رسالة إلى الرئيس المصرى الذى لم يكن الإقتراب منه سهلا ميسورا. ويكفى للتدليل على ذلك أن المتحدث (المدردش) ذكر أسماء عدة لشخصيات عامة فى وقتها، لكن لم يبين لأى منهم دورا محدداً (فيما خلا التحدث بالعربية من عبد الناصر إلى محمود فوزى ومحمود رياض فى حضور يوثانت) لكن ذكر إسم صدقى سليمان رئيس الوزراء آنذاك، وقال إنه كان متخوفا مما يحدث (حشد قوات فى صحراء سيناء، ثم اغلاق مضايق تيران)، لكنه لم يكن يستطيع أن يبدى مخاوفه تلك للرئيس المصرى (وكان هو الشخص الوحيد الذى رفض غلق مضايق تيران وخليج العقبة، عندما أُخذ التصويت على ذلك فى اللجنة التنفيذية العليا للإتحاد الإشتراكى، ولكن على إستحياء إقتضاه المقام). فإذا كان هذا هو شأن رئيس الوزراء مع رئيس الجمهورية، فهل يمكن بعد ذلك أن يدلل أحد على أن الرئيس المصرى لم يكن يحب أن يسمع أو يعرف رأيا يخالف رأيه، ولو كان الرأى المعارض صحيحاً؟ أو يؤكد على أنه كان يفضل دائما أن يكون صاحب العرض الواحد (one man show) ويكون الكل بعد ذلك : موافقون موافقون، منافقون منافقون.

ii. كنت أتصور أن هيكل بعد هذا العمر الطويل والتجارب العريضة والظروف المتغيرة، كان وهو يتكلم عن "تجربة حياة" ينهج نهجاً آخر، فيه كل الصدق وكل الصواب وكل الحق، لأن الذى يسمعه وسوف يحكم عليه فى الأساس هو التاريخ، وهو الذى يكشف تزييف المزيفيين ويهتك تحريف المحرفين.

لقد سمعت عن عبد الناصر أنه فى الفترة التى سبقت وفاته مباشرة، كان يقول إن حرب يونيو 1967 (الهزيمة) قد أكسبته عقلا هادئا باردا كالحاسوب (الكمبيوتر) يزن كل أقواله وأفعاله وزنا دقيقاً قبل أن تصدر عنه. والمعروف المشهور أنه كان يبكى بحرقة وهو يصرخ ليلاً، لإدراكه هول ما حدث. وكانت السيدة زوجه تقول للحرس إنه يبكى ويصرخ من ألم المرض (وهذه الواقعة التى كانت معروفة لكثيرين كتبها مصطفى أمين قائلا إنها حدثت لأحد الطغاة دون أن يذكر إسم عبد الناصر).

بعد ذلك أُبدي ملاحظات لا معدى عنها ولا مفر منها، عن المفردات الإنجليزية التى استعملها المتحدث، الذي يشيع عن نفسه أو يشاع عنه أنه يجيد اللغة الإنجليزية. لكنه، ربما لا شعوريا قد نفى ذلك حين قال إنه كانت توجد فى مصر اضطرابات كثيرة عام 1967، فى الفهم وفى التعبير، "وفى فهم معاني الألفاظ الإنجليزية"

(أ‌) فهو يقول إنه نتيجة للحشد العسكرى وما تبعه كان العالم كله يموج بما سماه (Debate). ولعله يقصد باللغظ أو الصخب أو الضجة العالمية اللفظ الإنجليزى (uproar أو Roar) والذى يفيد بالقطع هذا المعنى. أما لفظ (Debate) فهو يعنى مناقشة أو مناظرة أو مجادلة (بين شخصين) أو جماعتين. فإن كان المتحدث يقصد غير ذلك فقد كان ينبغى أن يستعمل صيغة الجمع بإضافة حرف (S) إلى اللفظ ليصبح (Debates) وهو ما يعنى مناقشات أو مناظرات أو مجادلات ؛ ولا يدل على اللغط والصخب والضجة.

(ب) وقال المتحدث إن جو السويس كان يملأ أحاسيس الرئيس عبد الناصر كما كان يسيطر على الجميع (ممن هم حوله) وأشار فى ذلك إلى أنه يوجد لفظ باللغة الإنجليزية لم يجد له ترجمة عربية، هو لفظ (Syndrome) وهذا اللفظ يعنى باللغة الإنجليزية: A group of current symptoms of disease, a characteristic combination of opinions, emotions, behavior etc.

يرجع فى ذلك:

1.. Oxford Dictionary

2.. The international Webster new encyclopedic Dictionary.

وترجمته إلى اللغة العربية فى كل المعاجم الإنجليزية العربية، ولمن يعرف اللغة الإنجليزية هو: الأعراض المزمنة: مجموعة أعراض (من آراء وعواطف أو سلوك) تظهر فى وقت واحد.

تراجع فى ذلك القواميس الإنجليزية / العربية ومنها قاموس المورد - تصنيف منير البعلبكى، وكذلك يراجع مؤشر البحث جوجل google للبحث الألكتروني، موقع "أدوات اللغة" التابع له، لفظ (Syndrome)، وبالذات صفحة 8 حيث أشير به إلى أعراض الإجهاد المزمن، وصفحة 18 حيث أشير به إلى أعراض حرب الخليج (Gulf war syndrome).

فلفظ (Syndrome) الذى له فى كل القواميس الإنجليزية العربية معنى باللغة العربية هو أعراض، قصده المتحدث وهو يتكلم عن فترة ما قبل حرب يونيو 1967، والأعراض المسلكية التى أصابت الرئيس المصرى نتيجة حرب السويس 1956 (كما ذكر الدكتور مراد غالب فى شهادته على العصر بقناة الجزيرة).

ولو أن المتحدث بحث بنفسه فى القواميس أو كلّف أحد أعوانه أن يفعل ذلك، لما سقط هذه السقطة التى تكشف أسلوبه فى العلم والعمل.

وإذا كان عبد الناصر قد تصرف عام 1967 بالأعراض المسلكية التى تبحث عن مزاعم الإنتصار عام 1956، فإنه – ومن هم حوله – يكونون قد أسقطوا عامل الزمن ولم ينتبهوا إلى تغير الظروف، فكانت النتيجة المؤكدة هى الهزيمة حتى وإن سُميت – من قبيل تجميل القبيح – نكسة (set back).

(ج) وقال المتحدث إن الولايات المتحدة قصدت إطلاق وحش كاسر على مصر، واستعمل فى ذلك حركات وجهه وصدره ويديه ليشير إلى الوحش الكاسر ويمثله للشاهدين، وإستعمل فى ذلك لفظ (unleash) الإنجليزية.

وفى اللغة الإنجليزية أن (leash) تعنى الرباط أو المقود و (unleash) تعنى فك هذا الرباط أو المقود بما يؤدى إلى إطلاق ما كان يمسكه، وهو يرمى إلى أى قوة مادية أو معنوية، ولا يقتصر على الوحش الكاسر. ولأن من عادة الأمريكيين أن يربوا كلابا وديعة، يمسكونها وهم يسيرون بها بمقود أو رباط، فإن لفظ (unleash) شاع بينهم بما يعنى فك رباط أو مقود الكلب لأداء حاجته أو للتنزه أو لأى أمر آخر. وفى الإستعمال على المدلول المعنوى يقال (unleash his desire) أى إن شخصا ما أطلق العنان لرغبته، وقد شاع فى وسائل الاعلام فى مايو ويونيو 1967 أن الولايات المتحدة أطلقت (unleashed) القوة العسكرية لإسرائيل لفتح مضايق تيران وإحتلال ما احتلته من أراض أهمها فى نظرهم مدينة القدس أورشليم (أور تعنى مدينة باللغات الشرقية القديمة الكلدانية والكنعانية، شاليم تعنى السلام فى هذه اللغات، وفى اللغة العبرية من بعد).

فلفظ(unleash) لا يعنى إطلاق وحش كاسر – كما أراد المتحدث أن ينقل فهمه إلى المشاهدين والمستمعين - لكنها تعنى إطلاق القوة العسكرية لإسرائيل على العرب (قياسا على إطلاق الكلب من رباطه أو مقوده).

(د) ولقد ظهر هذا الجهل الكبير فى العلم (أو حتى اللجوء إلى معجم بل معاجم) فى أمْر آخر، ترتبت عليه نتائج غاية فى الخطورة ونهاية فى السوء، هو القرار رقم 242، الذى يتمحض فى أن يكون السلام مقابل الأرض.

ففى هذا القرار نصٌ على أن تخرج إسرائيل بجيوشها من كل الأراضى التى احتلتها بعد حرب 5 يونيو 1967. وهو أمر واضح ولا جدال فيه فى النصوص الفرنسية والأسبانية والروسية. لكن النص الرسمى، وهو باللغة الإنجليزية، تضمن فى التعبير عن كل الأراضى لفظ (territories) وهو لفظ يجرى إستعماله دون أداة التعريف (الـ The). وقد صدر القرار فى شهر نوفمبر 1967 ووافقت عليه مصر والأردن فى 22 نوفمبر 1967 (بعد مداولات كثيرة مع الذين كانوا قد حرروا مسودة القرار أو قدموها إلى مجلس الأمن). وعند تنفيذ القرار الذى استعمل لفظ (territories) عن عمد لخداع العرب – تمسكت إسرائيل بأنه لا يعنى كل الأراضى وإنما يفيد الإنسحاب من أراض.

فأين كان الحكام، والرئيس المصرى (الذى قيل إنه كان يتكلم الإنجليزية برشاقة)، وهيكل إلى جواره، ومحمود فوزى عن يمين ومحمود رياض عن يسار، دون أن ينتبهوا إلى ذلك، فيطلبوا قبل أن توقع مصر إضافة أحد لفظين (The أو All) بمعنى الأراضى أو كل الأراضى أو أن يُستبدل به تعبير (All The Lands) الواضح الظاهر الصريح بدلا من لفظ (territories) الغامض القاتم الغريب، والذى يمكن تأويله على المعنى الذى تريده إسرائيل والذى صاغه من أراد خدمتها لتحقيق أغراضها؟ أو على الأقل ليطلبوا بروتوكولا بالقرار يوضح معنى اللفظ ويحدده.

ولماذا لم تستشر الحكومة المصرية رجال الدبلوماسية المصرية المشهود لهم بالعلم والكفاية أو رجال القانون المتخصصين؟ وأين كان الملك حسين الذى درس المرحلة الثانوية فى كلية فكتوريا بالأسكندرية حيث كانت اللغة الإنجليزية هى اللغة الأولى؟

لقد علمتُ من وزراء عهد ما قبل الإنقلاب أن سعد زغلول (باشا) ومصطفى النحاس (باشا) كانا يجيدان الفرنسية ولا يعرفان الإنجليزية؛ وأنهما لهذا كانا يستعينان بمترجم أو أكثر من رجال الدبلوماسية المصرية ليترجم النص من لغته الإنجليزية إلى الفرنسية، وكان من ثم يراجع النصوص الإنجليزية للمعاهدة. وقد اشتُهر مكرم عبيد (باشا) منذ معاهدة 1936 لأنه كان يجيد الإنجليزية، وكان من ثم يراجع النصوص الإنجليزية للمعاهدة. ومن بعده اعتمد الزعيم مصطفى النحاس فى هذا الغرض على ابنه الروحى إبراهيم فرج (باشا) الذى كان يجيد الإنجليزية كلاما وكتابة وترجمة، وقد أهدى إلىّ كثيرا من الكتب السياسية التى كانت توجد فى مكتبته والتى تتكون من كتب لغتها الإنجليزية.

قال هربرت جورج ولز (H.G.Wells) فى كتابه (Outline of mankind) إن الجهل أول قصاص الكبرياء. ولقد كان الضباط الإنقلابيين - ومن صاحبهم أو اتصل بهم – على استكبار واستجبار لا يمارى فيه أحد. ومن نتائج ذلك أن حرص عبد الناصر على عدم استشارة من يمكن أن يشير عليه بالرأى الصحيح، لأنه كان يهدف ويعمل على أنه رجل العرض الواحد (one man show).

وكذلك كان من نتائجه أن يفهموا العبارات والكلمات والأقوال والمعاهدات والإتفاقيات تبعا لما فى عقولهم وما يفهمون، وليس وفقا لطبيعتها وحقيقتها ومعانيها ودلالاتها، ذلك لأنهم انحصروا فى فهوم معتلة ونفوس مختلة، وصار لهم عالم خاص يقوم على الأوهام والخيالات والمغالطات، ويفزع من الحقائق ومن الواقع ومن كل معنى صحيح. وقد شاع فى بداية عهدهم أن أحدهم جرى وراء أستاذ إقتصادى جليل ليضربه بقدمه "أي بالشلّوت"، لأنه اجترأ وقال إن ما يقصده المستكبر المستجبر هو ما يُعرف فى علم المالية العامة باسم "الإزدواج الضريبى". ومن هذا الإستكبار والإستجبار وقعت مآسى كثيرة، حتى فى فهم الألفاظ والتعبيرات الإنجليزية (والعربية) فكان الجهل أول قصاص لكبريائهم. وما زال وسوف يظل الشعب العربى يدفع الثمن غالبا على مدى قرون طويلة حتى يتخلى عن الثقافة الشفهية ويركن إلى العلم الصحيح ويعتمد على الكتب والمراجع فى كل ما يقول ويفعل، أو يُقر ويُمضى.

saidalashmawy@hotmail.com

* القاهرة